التسلل الإسرائيلي إلى الأجواء السورية لم يكن حدثاً عادياً عابراً، ولن يكون مهما راوغ المسؤولون الإسرائيليون في سياسة الغموض والتضليل، ومهما اتبعوا من وسائل الرقابة العسكرية الموجهة، فسورية ترى­ وهي على يقين­ أن ما حدث هو عدوان مبيّت واستفزازي ومعدّ له على أعلى المستويات في الدوائر الإسرائيلية، وإن من حقها الردّ على هذا العدوان بالطريقة والزمن اللذين تراهما مناسبين.

وإذا كان لا بد من التوضيح هنا فحسن النية الإسرائيلية غير وارد إطلاقاً في الحسابات السورية، وذلك على قاعدة الإعداد الإسرائيلي المتواصل للعدوان، بدءاً من العسكرة والمناورات العسكرية في الجولان المحتل، وانتهاء بمواقف حكومة أولمرت الباحثة عن أي سبب يمكن أن تغسل فيه عار هزيمتها في لبنان، وتقول من خلاله للإسرائيليين إنها ما زالت قادرة على ما تسميه الردع. ‏

وبشكل أدق فإنه عندما تصرّ حكومة أولمرت على رفض عروض السلام العربية والأوروبية فهذا يعني بشكل تلقائي أنها تريد الحرب والتفجير في المنطقة، وسورية تدرك ذلك جيداً، وتضعه على رأس أولوياتها، لقناعتها أن إسرائيل تسدّ كل سبل السلام العادل الذي يعيد ما احتل من الأرض. ‏

إضافة إلى ذلك فإن مجريات عدوان تموز 2006 على لبنان، بما حملته من تأكيدات على أن إسرائيل حاربت نيابة عن الإدارة الأميركية ضد لبنان، يمكن أن تكون مقياساً لما حدث ضد سورية مؤخراً، فالإدارة الأميركية­ وهذا ثابت­ لا تريد تعطيل عملية السلام فحسب وإنما تريد إشعال المزيد من البقع المتوترة في المنطقة، بغية صرف الأنظار عن الاندحارات التي لحقت بقواتها الغازية للعراق، مع الأخذ هنا في الحسبان أن الخرق الإسرائيلي الأحمق للأجواء السورية تزامن أو استبق بأيام تقرير بتريوس­ كروكر حول تطورات الوضع في العراق، ومدى نجاعة استراتيجية بوش العراقية الجديدة. ‏

وهناك في الغرب من يضيف إلى ذلك أن الإدارة الأميركية وإسرائيل أرادتا من وراء هذا الخرق للأجواء السورية امتحان من تسميانهم العرب المعتدلين قبيل عقد اجتماع بوش في الخريف القادم، ما يدفع إلى الاعتقاد أن سكوت بعض العرب عن هذا العدوان الإسرائيلي على سورية يندرج في هذا الاحتمال الغربي. ‏

في كل الأحوال فسورية خاضت مع أشقائها، ووحدها أحياناً، جميع الحروب العربية مع إسرائيل، وكانت ولا تزال المدافع الأول عن الأرض والحقوق والكرامة العربية، وهي الآن على جهوزية تامة لمواجهة كل الاحتمالات، ولها من التجارب والمقدرات ما يؤهلها إلى ذلك ما دام الأمر يتعلق بالأرض والسيادة والكرامة. ‏