نذهب بعيداً كي نقترب أحياناً، وكي نرتاح أحياناً، وكي نقرر مصير أيامنا الآتية أحياناً أخرى، نذهب بعيداً لكننا نبقى نتلبس الوطن ونحيا نبضه ونتابع خطوه، لكننا بعد كل سفر وترحال نكتشف بأننا نذهب بعيداً كي نذهب عميقاً في دواخلنا وتفاصيل المحيط، حين عدت من سفرٍ بدا للبعض طويلاً وجدت الناس مازالت تشكو ذات الشكاوى التي أغلقنا عليها آخر صفحة ووضعنا بعدها آخر نقطة على السطر قبل السفر، لا تتغير الأشياء سريعاً ـ نعلم ذلك ـ لكن الناس مازالت على عهدها لا تتقبل التغيير بالسرعة التي نعتقد.
الشكاوى الكثيرة التي تضج بها برامج البث المباشر في إذاعاتنا منابر مباشرة لامتصاص الغضب وتلمس الاحتياجات والتعرف على مناطق الخلل من منابعها وعلى لسان المتضررين.
وفي ذلك خير للناس وللدولة والمجتمع إذا صاحب ذلك مسارعة في إصلاح الأخطاء وتدارك النواقص بشرط أن يتبع ذلك استمرار في هذا الإصلاح من قبل الجهات المعنية.
فالإنجاز ليس في إصلاح بيت أسرة سقطت أسقفه على رؤوس من فيه أو تعويضهم منزلاً بديلاً، الإنجاز أن يتم وضع خطة منهجية واضحة لحصر الحالات الشبيهة وترميم كافة المنازل الشعبية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وترميم قبل أن تتساقط تباعاً، وهنا ستتوقف الشكاوى حتماً وإلى الأبد!! ومثل سقوط منزل يرفع صاحبه شكواه لبرامج البث المباشر نجد شكاوى ارتفاع أسعار الأرز والسكر وحليب النيدو!
إذا بقينا نعالج الإشكاليات على طريقة «اليوم خمر وغد أمر»، فلن نحل شيئاً بصورة نهائية، الحل الجزئي لكل حالة، وبشكل فردي ليس منهجية متناسبة مع المرحلة التي نعيشها، وفي ظل المعطيات التي تتحرك فيها سياسة الحكومة التي يقودها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بكل هذه الرؤية الواضحة.
والخطو الحثيث نحو المستقبل بأمل وانفتاح كبيرين، واقعياً وهذا مهم في ظل تنامي وتيرة العولمة حولنا، وارتفاع معدلات الدخل ومستوى المعيشة، ما يجعل شكاوى ارتفاع أسعار الأرز، وسقوط أسقف منزل على رؤوس ساكنيه، وعجز مواطن عن الحصول على علاج ضروري، وغيرها شكاوى بحاجة إلى موقف وحل حاسم!
إذن الناس لا تتقبل التغيير، لأنهم يشعرون بأنهم يدفعون كلفة عالية مقابل هذا التغيير ومن جهة أخرى لا يجدون تلك الاستجابة المرجوة، حين يطرحون شكاواهم الناجمة من آثار ذلك التغيير، ربما تجيب هيئة الطرق والمواصلات بدبي مثلاً موضحة للناس ومصارحة إياهم بمقدار ما سيتحملون جراء هذا التغيير الجذري في طرقات دبي، لكن لا يفعل كل المسؤولين ذلك، ولا تتبع كل مؤسسات الخدمات ذات الصلة بالجمهور هذا النمط من العلاقة الصريحة والاستجابة السريعة.
الناس تشتكي لأنها تتضرر وبشكل كبير، هذه كل الحكاية وتحتاج ليس لمن يطمئنها فقط، ولكن لمن يضع حداً لمشاكلها وبشكل ملموس وهذا حقها، والوسيلة المجدية لتحمل كلفة التغيير وتفهم أسبابه والمشاركة في دفع الثمن بأقل قدر من التذمر لأنهم هم أول المستفيدين من هذا التغيير مستقبلاً.
