يبدو أن المهرولين نحو تلبية دعوة بوش لعقد لقاء دولي للسلام قد استوعبوا درس الصهيونية العالمية ورضخوا لمشروعها ومشروعيتها الزائفة تحت شعارات عدة تتأرجح بين الإجبار والاضطرار والاختيار وعلى قاعدة أن العين لا تقاوم المخرز، كما يقول المثل الشعبي.

وها هم يحثون الخطى ويضاعفون الجهود مع اقتراب فترة انعقاده رغم الضبابية التي تلف أهم العناصر اللازمة لعقد أي اجتماع بدءاً بالموعد المحدد لانعقاده ومروراً بهوية المشاركين فيه وليس انتهاء بالمضامين التي سيناقشها، ورغم وجود شبه إجماع إن لم يكن إجماعا كاملا حول المقاصد المرجوة من هذا المؤتمر»، التي لن تخرج، بأي حال من الأحوال، عن الخطوط العريضة لاستراتيجيتي الأمن القومي في كل من واشنطن وتل وأبيب.

في معرض الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالدوافع والمسوغات والأسباب التي ربما تقف وراء ذلك الحماس وتلك الاندفاع نحو تأمين متطلبات وعناصر ذلك الأمن والتقيد بمضامين الاستراتيجيتين المذكورتين آنفا، لم يعد كافيا الحديث عن صراع حدودي هنا أو حق تاريخي هناك أو متطلبات أمنية لهذا الطرف من الصراع أو ذاك، فللقضية أبعاد أخرى ذات طابع أيديولوجي صرف لا يخص منطقة الشرق الأوسط فحسب وإنما يطال الكرة الأرضية برمتها.

لكن يراد لتلك القضية في هذا الجزء من العالم أن تبقى في الظل وضمن الأطر الضمنية المظلمة التي لا مكان فيها لكلمات مثل المكاشفة والشفافية وحرية التعبير.

عطفا على أطروحة المفكر الفلسطيني الدكتور عادل سمارة الخاصة بالدور الذي يلعبه بعض المثقفين ومنظماتهم «غير» الحكومية في خدمة مشروع الصهيونية العالمية والتي استند إليها الكاتب الفلسطيني رشاد أو شاور في مقالة له تحت عنوان «مثقفون في خدمة الآخر».

فإن عناصر الصورة التي أراد هذان المثقفان البارزان إيصالها لن تكتمل إذا اقتصر ربط ظاهرة الصهيونية والتصهين ببعض المثقفين والسياسيين العرب والفلسطينيين، ذلك أن هذه الظاهرة مرتبطة ارتباطا عضويا لا انفصام في عراه مع ظاهرة عالمية أعم وأشمل وأكثر تأثيرا وترقى في جوانب عديدة منها إلى مستوى الديانات لا بل إنها تتفوق عليها إلى حد كبير لجهة اتساع رقعة انتشارها ومدى تأثيراتها، خاصة إذا أخذ بعين الاعتبار أن الإطار العقائدي لما يمكن أن نسميه «ديانة المحرقة» العالمية لا يشترط على أتباعها التخلي عن دياناتهم الأصلية.

أي أن المنتمي لهذه العقيدة قد يكون مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا بالإضافة إلى انتمائه لهذه الديانة الجديدة، المهم أن يكون ولاؤه الأخير للديانة العالمية الجديدة التي تتغذى على الفكر الصهيوني وتخدم مشروعه.

يمكن القول إن عبادة المحرقة هي نوع من الديانة المدنية العصرية المتبقية على قيد الحياة وأنها تحتل موقع القلب في المشهد الصهيوني العالمي أو فيما يتعلق بصورة ومكانة اليهودي في خارطة الوجدان العالمي، التي يتخللها بقوة ظاهرة من نوع غريب للغاية .

وهي أن السياسيين والمفكرين وعلى شتى مشاربهم يجتاحهم خوف مرضي من الوقوع في دائرة المتهمين بمعاداة السامية، والأدهى من ذلك يكمن في أن هذا الخوف المرضي قد تحول إلى ديانة حقيقة يتعين على الجميع اعتناقها مهما كان معتقده الأصلي.

هذا الكلام يعني وبشكل واضح لا لبس فيه أنه بوسعك أن تنتمي إلى أي ديانة من الديانات السماوية أو الوضعية بمحض إرادتك من دون أن يزعجك أي مخلوق على وجه الكرة الأرضية على الإطلاق، لكن عندما يتعلق الأمر بالديانة الجديدة «المحرقة»، فإن الخيارات هنا تغدو معدومة تماما، إذ أنك لا تملك حرية اتخاذ قرارك والخيار الوحيد المتاح أمامك هو اعتناق تلك الديانة وإلا فإن مصيرك هو الإقصاء والتهميش والقبوع وراء القضبان وحتى القتل أحيانا.

هذا يعني أن هذه الديانة المدنية ليست مسالمة كالكنفوشية، بل إنها نشطة وعدوانية للغاية ولها تبعات وعواقب وخيمة على غرار الحروب والمجازر والقمع والاضطهاد ومصادرة الحريات وكم الأفواه وإطلاق العنان لكواتم الصوت والأجهزة الظلامية التي لا تستطيع أن تعمل إلا تحت جنح ظلام دامس.

انعكاسات هذه العقيدة العالمية على أرض الواقع متعددة ومتنوعة ومتشعبة ولا حدود لها، فقد تبدأ بمحاربة وعزل مفكر بقامة روجيه غارودي لأنه تطاول من وجهة نظر الصهيونية العالمية على «المحرقة اليهودية» ولا تنتهي عند ما أثاره رسم كاريكاتوري يعقد مقارنة بين معتقلات النازية وظروف معيشة الفلسطينيين في قطاع غزة نشرته صحيفة إيطالية العام الماضي وأثار جدلا واسعا ليس في أروقة أتباع الحركة الصهيونية العالمية فحسب وإنما في أروقة اليسار الإيطالي نفسه.

bassil@albayan.ae