مرة أخرى يتجلى بأشكال واضحة الصراع الخفي الذي لا يزال قائما بين روسيا من جهة ودول وسط وشرق أوروبا من جهة أخرى، والتي عقدت العزم على تنفيذ بنود استراتيجيتها الجيو - سياسية الجديدة لتكريس موقعها كجزء لا يتجزأ من الغرب «الديمقراطي» المتمثل حاليا بالاتحاد الأوروبي وتحالفاته عبر المحيط الأطلسي.
وبرغم أناقة وطراوة المجاملات الدبلوماسية التي تطفو عادة على سطح الأحداث التي تحكم العلاقات بين الطرفين، إلا أن معالم التوتر القائم قد بدأت تنعكس حتى في الوثائق الرسمية ولم تعد بالتالي حكرا على الأروقة الضيقة التي يتم فيها وعبرها صنع القرارات التي تتحكم بمصير الشعوب.
والتوتر المقصود هنا ليس مرتبطا بشكل حصري بما خلّفته حقبة الحرب الباردة من تبعات جسيمة أدّت لانهيار الأنظمة الشيوعية وتغيير خارطة التحالفات لمصلحة الغرب بشكل واضح، بل ينساق على ما نجم عن هذه التحالفات من خطط استراتيجية جديدة وضعها الاتحاد الأوروبي وانضمت إليها بكل شوق وحماس الدول الشرقية السابقة التي أصبحت تفخر اليوم بانتمائها للغرب.
ما يهمّنا في هذا السياق هو موضوع «أمن الطاقة «الذي أضحى على ما يبدو مادة استراتيجية هامة بالنسبة لهذه الدول، باعتبار أنه بات - حسب تقدير خبرائهم - جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار وإيلائه قدرا كبيرا من الأهمية.
وانطلاقا من الوثائق والأفكار التي باتت تظهر وتتوضح شيئا فشيئا، فإن هذا الموضوع قد يشكل خلال الحقبة الحالية والمقبلة مركز الصراع الخفي أو البارد، وربّما المحرك والمحفّز لأنواع أخرى من التحالفات التي قد تنشأ في المستقبل.
ولقد أوضح الاتحاد الأوروبي في توصيات سابقة صادرة خلال العام 2006 حول مجال الطاقة بشكل عام «أن أوروبا قد ولجت مؤخرا في عصر جديد للطاقة».
حيث إن اعتمادها على الاستيراد ينمو، في وقت يتركز فيه احتياطي الفحم ومصادر الطاقة المماثلة في مناطق محددة فقط. هذا الأمر سيؤدي وفق التوقعات السائدة داخل الاتحاد الأوروبي إلى رفع أسعار الغاز والنفط والطاقة الكهربائية بشكل تدريجي ومستمر.
ويبدو بأن هذا التوضيح الذي أريد منه أن يكون تحذيرا يدعو لاتخاذ الإجراءات الرادعة والفورية، قد هدف للإشارة إلى ضرورة البحث عن حلول لتحرير أوروبا المتكاملة حديثا والتي باتت تضم أكثر من 450 مليون مستهلك، من خطر الاعتماد على مصدر وحيد للطاقة هو روسيا.
المطلوب هو تحسين عملية تنظيم سوق الطاقة في الاتحاد الأوروبي، والبدء بتنفيذ سياسة خاصة تهدف لتنويع المصادر التي تُستورد منها المواد الاستراتيجية للطاقة من النفط والغاز وغيرها، وإطلاق ورشة علمية شاملة بهدف البحث عن مصادر وأنواع جديدة من الطاقة.
وفي الوقت الذي لا يخفي فيه الاتحاد الأوروبي هذا الأمر ويضمّنه وثائقه الرسمية انطلاقا من رغبته بتحقيق ما يصفه بالاستقلالية في مجال الطاقة، تبدو الدول الأوروبية الشرقية التي كانت مرتبطة بشكل وثيق سابقا مع «الشرق السوفييتي وحلفائه» .
وكأنها تنطلق من موضوع استقلالية الطاقة نحو أهداف أكثر شمولا واستراتيجية، فهذه الدول التي كانت ترتبط مع الاتحاد السوفييتي ووريثته روسيا بغابة كثيفة من القنوات النفطية وحتى الإيديولوجية والاجتماعية والنفسية.
وضعت نصب أعينها مسألة في غاية الأهمية تتجسد بتحرير نفسها من الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية، لاعتقادها بأن هذا «التحرر» سيكرّس عمليه استقلالها السياسي التي بدأت قبل حوالي ستة عشر عاما، وسيثبّت دعائم سيادتها من خلال إبعاد نفسها عن ذلك الشرق الذي أجبرت ذات يوم، حسب رأيها، بأن تكون جزءا منه.
وبالرغم من أن تلك الدول تحرص أن يكون خطابها السياسي غير متوتر وأن تضفي عليه مسحة سيادية لتبرير قلقها من المستقبل المجهول الذي ينتظرها إذا لم تلجأ للخيارات الصعبة، فإن أداءها على الصعيد السياسي الدولي يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن ما ترمي إليه من خلال تنويع مصادر الطاقة مرتبط بشكل وثيق بخياراتها الاستراتيجية الجديدة الهادفة أولا وأخيرا لتكريس عملية انتقالها إلى الضفة الإيديولوجية الغربية.
وانطلاقا ممّا سبق فإن كثيرين في وسط أوروبا وكذلك في الاتحاد الأوروبي يجمعون على أن ما نشهده بين وقت وآخر من صفقات في مجال الطاقة بين الشركات الضخمة في أوروبا الشرقية، تبدو في طابعها العام تجارية بحتة لكنها في جوهرها جزء من المخططات الاقتصادية الاستراتيجية التي تتم صياغتها من قبل الحكومات والشركات المتحالفة معها بشكل طوعي أو قسري.
وقد انتشرت مؤخرا في كواليس الإعلام والسياسية لهذه المنطقة سلسلة من التكهنات التي اعتبرت بأن الصفقات التي تنفذها بعض الشركات الضخمة في مجال الطاقة ترتبط بشكل وثيق مع الخطط الحكومية آنفة الذكر، وأن كل تلك الصفقات أو على الأقل قسم كبير منها يتم بالتناسق مع ما سبق باعتبار أن الدولة في معظم الأحيان تتحكم بقرارات تلك الشركات لأنها لا تزال مالكة لمعظم أسهمها.
وتعتبر كل من تشيكيا وبولندا والمجر وسلوفاكيا مثالا واضحا على ما نسرده، حيث يشكل أداء الشركات المعنية بمجال الطاقة دليلا على ما يتردد من تكهّنات، خصوصا فيما يتعلق بالمحاولات التي تقوم بها الشركات الضخمة منها للاندماج مع بعضها البعض أو لشراء أسهم في الشركات الأصغر للدول المجاورة أو للتوسع شرقا في قطاع الطاقة من خلال الشركات المحلية التي تتم السيطرة عليها شيئا فشيئا.
وإذا أضفنا لهذا الأداء الاقتصادي العملي سلسلة من التصريحات العلنية والصريحة التي يدلي بها المسؤولون المعنيون بهذا الملف الاستراتيجي مثل السفير التشيكي فاتسلاف بارتوشكا المكلف بملف أمن الطاقة لدى وزارة الخارجية، فأننا نتوصل لقناعة مفادها أن كل ما يجري يهدف إلى شيء وحيد :
منع النفوذ الروسي في مجال الطاقة من التغلغل في أوروبا بشكل فتّاك وبالتالي قطع الطريق عليه لمنعه من التحكم مستقبلا بمقدرات تلك البلاد وفرض سياساته وأسعاره وكميات الضخ وما شابه.
أين العالم العربي من كل ما يجري؟ حتى الآن لم نرصد أية محاولات جدية للاستفادة مما يجري لاختراق هذه الأسواق التي كانت عصية في السابق وأصبحت اليوم تواقة للحصول على مصادر أخرى للطاقة قد يكون بعضها عربيا. وإذا صدقت بعض التوقعات التي انتشرت مؤخرا، فإن منطقة شمال أفريقيا قد تكون الأوفر حظا لاقتناص هذه الفرصة الذهبية، إلا إذا تمكنت بعض دول الخليج العربي من تحقيق المفاجأة التي نتوق إليها كثيرا.
كاتب لبناني