كان يوم 11 سبتمبر 2001 سيمر بالنسبة لي فقط على أنه اليوم الذي قضيت مساءه مع صديقي د. فيصل شهاب الذي باعدنا الزمن وإياه لأكثر من عقدين. انتبهت للساعة وهي تشير إلى اقتراب الموعد. كنت مشدوداً إلى التلفاز، إذ كان من الصعب مفارقته. اتصلت بصديقي لأعتذر عن اللقاء.

وكان على وشك فعل الشيء نفسه. بعدها كلما التقينا تذكرنا تلك اللحظات. وبالأمس استعدت شريط ذلك اليوم وأنا أقرأ عن اعترافات المسؤول السابق للقيادة المركزية للقوات المسلحة الأميركية الجنرال تومي فرانكس - واضع خطتي غزو أفغانستان في 2001 والعراق في 2003.

ففي نفس ذلك اليوم كانت هناك مكالمة أخرى بين هذا الجنرال وصديقه الجنرال رامسفيلد. هبطت طائرة فرانكس للتزود بالوقود في طريق عودته إلى واشنطن. اقترب منه أحد مساعديه وطلب منه أن يفتح التلفاز.

كانت اللحظة التي شاهدناها جميعاً: الطائرة الثانية وهي تصطدم ببرج مركز التجارة الدولي. بعد قليل اتصل به صديقه الحميم رامسفيلد ليسأله أين هو. ولما أجاب قال له بأنه موجود ليس في المكان الذي ينبغي أن يكون.

الكلام يوحي بأن فرانكس أخفق في شيء ما. لقد كان في زيارة لباكستان التقى فيها رئيس جهاز الاستخبارات والرئيس الباكستاني مشرف. كانت زيارته للتنسيق بشأن إعداد خطة لغزو أفغانستان. وهناك أيضاً التقى خبراء عسكريين روساً بسطوا أمامه كل خبراتهم كي لا يزج بحوالي 260 ألف جندي جنوده ليخسر 15 ألفاً منهم في متاهات هذا البلد العصي. لكنه كان من المفترض أن يقدم هذه الخطة في 31 أغسطس 2001.

وتعلم الجنرال الدرس. فقبل ثلاثة أيام من العام الجديد 2002 طار فرانكس ليلتقي الرئيس بوش في استراحته بكرويفورد في تكساس حاملاً الخطة الأولية لغزو العراق والتي اكتملت نهائياً بعد 14 شهراً على ذلك اللقاء.

وفي احتفاء بالذكرى السنوية الأولى للحرب الأميركية على العراق جرى في مركز كنيدي في واشنطن في 15 مارس 2004 ألقى الجنرال تومي فرانكس محاضرة فاجأ فيها مستمعيه باعتراف مثير للغاية آنذاك: أن العسكريين الأميركيين كانوا قد بدأوا استعداداتهم لشن الحرب على أفغانستان قبل مأساة 11 سبتمبر 2001.

وعلى الفور فسر المحللون هذا الاعتراف بأن الأعمال الإرهابية التي جرت في نيويورك وواشنطن لم تكن سوى ذريعة لإطلاق «الحملة العالمية على الإرهاب» المحضر لها سلفاً.

غير أن المحللين اعتبروا أن هذه المحاضرة هي أيضاً جزء من حملة بوش في الانتخابات الرئاسية، وكان الهدف منها إقناع الأميركيين بأن الحرب على العراق كانت مبررة.

وأرادوا أن يأتي هذا الإقناع على لسان الجنرال فرانكس - أحد رواد حرب فيتنام. فعلى الجبهة الأخرى كان مرشح الحزب الديمقراطي جون كيري هو الآخر أحد رواد حرب فيتنام. وإذا كان الناخبون سيستمعون إلى كيري فإنهم سيستمعون إلى فرانكس بنفس القدر، وربما أكثر لأنه يقدم على أنه «أب العسكر».

في أميركا العظيمة ذات التاريخ القصير كل يطوع هذا التاريخ لخدمة مصالحه. وهناك من قدم الجنرال رامسفيلد على أنه «نبي» حين سأله رقيب في الجيش قبل 4 أيام فقط من مأساة 11 سبتمبر 2001 عن ما الذي يهز مضجعه ليلاً فأجاب على الفور «صورة أحد برجي مركز التجارة العالمي وهو يسقط على توأمه». كل ما في الأمر هو أن طاقم الإدارة في البيت الأبيض كان يخطط لعالم الألفية الجديدة وفق رؤى ومصالح أميركا وحدها.

ويوم بدأت الحرب على أفغانستان «بشر» الرئيس بوش العالم بأن الذي بدأ هو حرب عالمية على الإرهاب ستمتد إلى أبعد من أفغانستان وإلى سنوات طويلة. ومنذ ذلك اليوم قال بوش بأن العالم سيصنف إما مع أميركا أو ضدها ولا ثالث بين هذا وذاك.

ولم يخف مايكل ليدين وهو أحد أبرز أيديولوجيي المحافظين الجدد أن إسقاط صدام ليس سوى الخطوة الأولى في «الحرب من أجل إعادة اقتسام كل العالم». وحتى أن صديق بوش منذ أيام الدراسة الجامعية أشار إلى أن العراق ليس هو المسألة، بل وحتى ليس مستقبل الشرق الأوسط برمته.

. الأمر يتعلق بالدور الذي سيتعين على الولايات المتحدة الأميركية أن تلعبه في القرن الحادي والعشرين. أما ليدين فلم يدع مجالاً للشك بأنهم ذاهبون في «الحرب العالمية على الإرهاب» إلى سوريا وإلى إيران وحتى السعودية.

ورغم أن دول العالم تنفض من حول السياسة الأميركية كما ينفض الرأي العام الأميركي وعناصر من الإدارة الأميركية من حول الرئيس بوش، إلا أنه يواصل إرسال رسائل التهديد الساخنة ضد إيران.

وغدت وسائل الإعلام العالمية تحلل حول ما إذا كان سيقرر عاجلاً أم آجلاً قصف هذا البلد. وتشير الصنداي تايمز إلى أن البنتاغون أعدت خطة قصف مركزي على 1200 هدف إيراني بهدف أخير هو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية خلال ثلاثة أيام، وأن إسرائيل على أشد الحماس لذلك.

وفي ظل العزلة الخارجية والداخلية التي لا تسمح للاستراتيجية الأميركية الكونية بالمضي قدماً نجد أن خطر 11 سبتمبر يلوح في الأفق من جديد. وتصل رسائل التحذير من داخل الولايات المتحدة نفسها. ففي شهر يوليو الماضي حذر أحد قادة الحزب الجمهوري بول كاريج العالم من أن الرئيس بوش ونائبه تشيني يحضران لتكرار أحداث 11 سبتمبر الإرهابية بهدف فرض حالة الطوارئ في الولايات المتحدة ولكي يسوغا مبررات الهجوم على إيران.

لقد اختفى بن لادن ثلاث سنوات عن الإعلام ليظهر مجدداً في الذكرى السادسة لأحداث سبتمبر. ومع أن خطابه يوم الخميس الماضي لم يتضمن تهديدات محددة بأعمال إرهابية ضد أميركا إلا أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايكل هايدن أكد في خطابه أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك أن «محللينا توصلوا وبدرجة عالية من الدقة إلى أن القيادة المركزية للقاعدة تخطط مؤامرة لتوجيه ضربات قوية على الأراضي الأميركية».

وبين البحث في مفهوم المؤامرة في حديثي كل من كاريج وهايدن يبقى على بلدان منطقتنا أن تقرأ في 11 سبتمبر ما يلي: «سياسة بوش تهدد مصائر بلداننا وراياتنا واحداً فواحد». .

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com