ما تشهده الأراضي الفلسطينية في كل يوم جمعة، منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، مدعاة للأسف، إذا لم نقل مدعاة للسخرية. فقد حول القادة الفلسطينيون المناسبة الدينية إلى ساحة للصراع السياسي، فأعطى كل فريق لعلماء الدين الحق في الاجتهاد في التحريم والتحليل، حتى بات المؤمن العادي أسير التفسيرات السياسية. فصلاة العراء حلال في الضفة الغربية، وهي حرام في غزة. وبات المؤمن بانتظار من سيفتي في يوم من الأيام بتحريم الصلاة حتى يرضي صاحب الأمر!
باختصار تم تسييس الدين في فلسطين فقط. وأصبح القابض على دينه في غزة كالقابض على النار، أقله من وجهة نظر أبناء حركة فتح, كما أن من يجرؤ من أبناء حماس في الضفة الغربية على الصلاة في ساحة المقاطعة كمن يرمي بنفسه في التهلكة، لأنه إذا كُشفت هويته سيكون سجن الـ "17" مأواه.
عندما كان يضرب الفلسطيني في غزة لأنه تجرأ على الصلاة في الساحة، وكان الرئيس محمود عباس بين المصلين في ساحة المقاطعة في رام الله، كانت إسرائيل ترسم حدود الدويلة الفلسطينية التي ستطرح على بساط البحث في واشنطن في نوفمبر المقبل: انسحاب من غالبية أراضي الضفة الغربية بما فيها أحياء في القدس الشرقية كجزء من الحل النهائي، بما يجعل من جدار الفصل العنصري حدودا بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية، بما يترك ما بين 3-8% من مساحة الضفة بين أيدي الإسرائيليين وهي تشمل الكتل الاستيطانية الكبرى, فضلا عن قطع الطريق على عودة اللاجئين أو عدم تعويضهم.
كان اتفاق مكة الذي وقعته فتح وحماس بمسعى من القيادة السعودية في الثامن من فبراير الماضي الفرصة السانحة لتوحيد الفلسطينيين، والعمل ضمن برنامج الحد الأدنى الذي بقي إلى فترة طويلة، إلى ما بعد رحيل الرئيس الشهيد ياسر عرفات، يشدد على أن الدم الفلسطيني خط أحمر لا يمكن تجاوزه . ولأن الاتفاق لم يصمد طويلا، وحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية لم تصمد أيضا، وإجراءات تفعيل وتطوير وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، دخلت غرفة العناية الفائقة، ومثله مبدأ الشراكة السياسية على أساس القوانين المعمول بها في السلطة الوطنية الفلسطينية، وعلى قاعدة التعددية السياسية، فإن الحل الأمثل لما يجري في غزة والضفة هو العودة إلى تطبيق اتفاق مكة بكامل بنوده. وهو ما يطلبه الفلسطيني المؤمن.
