ميزان القوى الاستراتيجي الحديث، هو صيغة التعبير الكمي والنوعي لتناسب القوى بين الأطراف، مع الأخذ بالحسبان العناصر المحددة للوضع الاستراتيجي، ويمكن وصف مجمل معايير التوازن الاستراتيجي.
وتشبيهها بنظام ديناميكي شديد التعقيد، تشكل فيه الأسلحة النووية، وبالدرجة الأولى الاستراتيجية منها، عنصرا رئيسيا. كما يتأثر هذا النظام المعقد بعدد آخر من مكوناته. وعلى وجه التحديد هناك ترابط عضوي، غير قابل للفصل بين الأسلحة الاستراتيجية الهجومية والدفاعية.
وقد اعترفت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق بهذا الترابط، عند توقيع اتفاقية الأسلحة الصاروخية المضادة للصواريخ.
وما يشير إلى أن الدولتين العظميين حين ذاك، أدركتا حقيقة هذا الترابط، هو التزامن في توقيع اتفاقية الحد من تصنيع الأنظمة الصاروخية المضادة للصواريخ، واتفاقية الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، المعروفة باسم ستارت-1، فكلتاهما وليدتا عام 1972.
ويمكن صياغة جوهر الأزمة باختصار، إن التنافس المستمر منذ عدة قرون، بين الأسلحة الدفاعية والهجومية، أي بين السيف والدرع. هذا التنافس يتطور دوماً لصالح السيف قد بلغ حتميته المهلكة، إذ نشأت بعض المواقف التي فقد فيها الدرع موضوعيته، على الرغم من قدرته على صد 99 % من إجمالي الضربات النووية التي قد تُوجه بترسانة نووية كاملة، لأن نسبة 1 % المتبقية كافية لتدمر وجه الحضارة.
في الوقت نفسه فإن التحليل الموضوعي العلمي التقني، لحالة التسابق بين الأسلحة الهجومية والدفاعية. ومستقبلها يشير إلى تفوق دائم، كان وسيبقى لصالح الأسلحة الهجومية. وهذا يعني أن من الصعب الحديث، حتى عن صد 90% من إجمالي الصواريخ التي قد يطلقها العدو.
مع أخذ هذه الحقائق وغيرها بالحسبان. لا يمكن النظر إلى منظومة الدرع الصاروخي الأميركي المضاد للصواريخ، كوسيلة فعالة لتأمين الحماية من الضربة النووية الأولى. إلا أن نشر منظومة الدرع الصاروخي يولد، على ما يبدو، وهم بإمكانية صد ضربة الرد الانتقامية الضعيفة، في إطار ردة فعل الطرف المتعرض للضربة النووية أولاً.
من هنا فإن وهم الاستفادة من توجيه الضربة النووية أولا، هو الخطر الرئيسي لفكرة منظومة نشر الدرع الصاروخي الأميركي في تشيكيا وبولندا.
«الاعتقاد بأن عشرة صواريخ مضادة للصواريخ، وبعض الرادارات في أوروبا، قادرة على تهديد قوة الردع السوفييتية الاستراتيجية هو اعتقاد سخيف».
يمكن القول إن الخروج الأحادي الجانب للولايات المتحدة من اتفاقية عام 1972 للحد من الأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ، وشروعها بنشر هذه الأنظمة في أوروبا، تهديد للاستقرار الدولي، واختبار فعلي لمدى متانة علاقات الشراكة بين موسكو وواشنطن.
يُذكر أن ردة الفعل الروسية على السياسة الأميركية في هذا الشأن كانت في البداية دبلوماسية، اقتصرت على التعبير عن الأسف. ويرى البعض، أن هذا الموقف مبرر. لأن مسألة الدرع الصاروخية بالنسبة لروسيا، في السنوات العشر المقبلة، لن تكون أكثر من مسألة سياسية.
على الرغم من ذلك، قامت روسيا مؤخرا بعدة خطوات لتدعيم قوتها النووية الرادعة. وأجرت تجارب ناجحة على صاروخ آر إس 24 البالستي عابر القارات القادر على حمل عدة رؤوس نووية.
وكانت هناك التجارب على الصاروخ توبل إم عام 2005، وهو الصاروخ القادر على حمل عدة رؤوس. لكل منها محركاتها المستقلة، وتتمتع بقدرة عالية على المناورة، إذ تسير بسرعة أعلى من سرعة الصوت، وتقوم أثناء ذلك بحركات متعرجة. ما يجعلها هدفاً مستحيلاً لأي نظام اعتراضي صاروخي.
مع حلول العام 2013، موعد انتهاء الولايات المتحدة من نشرها للدرع الصاروخية في أوروبا، ستكون الصواريخ البالستية الروسية العابرة للقارات قادرة على تجاوز تلك الدرع. ما سيؤدي إلى العودة من جديد إلى سباق السيف والدرع.
وبالنسبة لعودة المعادلة هذه، إلى السياسة الدولية وتحكمها بالعلاقات بين موسكو وواشنطن، فإن منظومة الدرع الصاروخية الأميركي التي تخفي في طياتها نوايا عدائية، أصبحت بمثابة السيف المشهر على رقبة روسيا، ودفعها إلى تقوية درعها. وتطوير قوتها النووية الهجومية ضمن حدود ردة الفعل المشروعة، والطبيعية على سياسة الولايات المتحدة.