عشية اجتماع وزراء الخارجية العرب برئاسة الجزائر بالقاهرة، وفيما كانت وفود أوروبية تقصد المنطقة مروراً بتل أبيب ورام الله، للإعداد «لمؤتمر الخريف» الذي دعت إليه واشنطن «لإحياء عملية السلام».
كشفت إسرائيل عن موقفها المراوغ تجاه هذا المؤتمر بتصريحين، الأول على لسان وزيرة خارجيتها «تسيبي ليفني» يطالب «بخفض سقف التوقعات» لما يمكن أن يخرج عن هذا المؤتمر، والثاني تصريح إسرائيلي يلوح بإقدام «أولمرت» على طلب «تأجيل عقد هذا المؤتمر» بحجة صواريخ «حماس» على «سديروت» من «غزة».
فيما كشفت القرارات التي صدرت عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب، خصوصاً المتعلقة بمؤتمر الخريف المقترح عن وضوح أكبر في الرؤية العربية وبلورة أوضح، وموقف عربي أكثر تحديداً لشروط عقد ونجاح هذا المؤتمر غير محدد المعالم أميركياً، سواء باقتراح موعده، وبمشاركة جميع أطرافه بما فيها سوريا ولبنان، أو بتفصيل موضوعات جدول أعماله والنتائج المرجوة منه، والأهم كان تأكيد مرجعيته الأساسية وهي مبادرة السلام العربية إلى جانب القرارات الدولية، وضرورة تحديد سقف زمني لإنهاء جميع الملفات على جميع المسارات.
وكما كان الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، واضحاً ومحدداً في تحذيره من أن عقد المؤتمر دون مضمون حقيقي وضمانات نجاح سيحوله إلى مظاهرة سياسية تطبيعية مجانية تضيف لإسرائيل وتخصم من العرب، وأن فشله سيلحق الضرر بالمصالح العربية وبالوضع الإقليمي، أوضح وزير الخارجية الجزائري «مراد مدلسي» أن «مبادرة بوش لعقد الاجتماع لا تعكس تماما في طروحاتها وأهدافها، بحسب المعطيات المتوفرة، ما نتوخاه منه».
والواقع أنه بدون أن تعلن إسرائيل وأميركا قبولهما مبادرة السلام العربية والقرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي الصهيوني، فلا معنى لقبول الدول العربية المعنية الدعوة الأميركية لحضور مؤتمر الخريف سوى قبول أن يتحول المؤتمر من مؤتمر للسلام إلى مظاهرة سياسية أو مناورة إسرائيلية وأميركية لتجاهل الحقوق الفلسطينية والعربية.
وليس لعدم القبول الإسرائيلي والأميركي بالمبادرة من معنى سوى أنهما يتجاهلان الأسس اللازمة لإرساء هذا السلام الذي لا بد أن يكون متوازناً لكي يكون عادلاً، وأن يكون عادلاً لكي يكون دائماً، ومن الغريب أن قبولهما لمبادرة السلام العربية يمنح إسرائيل تنازلاً عربياً جماعياً عن أربعة أخماس فلسطين بحدود عام 1948.
ويقدم لها اعترافاً جماعياً عربياً مقابل «تنازلها» عن خمس فلسطين فقط على حدود 1967، وهذا يفوق أكثر أحلام الإسرائيليين طموحاً، ويقل عن أكثر الحقوق العربية وضوحاً.. ومع ذلك يقبل العرب وترفض إسرائيل!!
ولأن التماهي واضح بين تحركات ومراوغات كل من تل أبيب وواشنطن في إطار الشراكة الإستراتيجية، والتبادلية في الأدوار السياسية والعسكرية سواء ضد فلسطين أو ضد البلاد العربية والإسلامية، فإننا لم نعد نفرق كثيراً بين مواقف الطرفين، بحيث لم يعد لدينا فرق كبير فيما إذا كانت واشنطن هي التي تحرك تل أبيب أم أن إسرائيل هي التي تحرك أميركا.
ففي الحرب العدوانية الصهيونية في الصيف الماضي على لبنان اتهمت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلي حكومة «أولمرت» بأنها عرضت إسرائيل للخطر بتوريطها لتنفيذ حرب أميركية فاشلة ضد حزب الله، بينا رأت بعض وسائل الإعلام الأميركية أنها حرب إسرائيلية «غبية» بأسلحة أميركية «ذكية»، وبتغطية سياسية «غبية» خيبت أمل الإدارة الأميركية ونالت من هيبة أدائها العسكري وأحبطت مشروعها في «الشرق الأوسط الكبير»!
خلال أيام هذه الحرب العدوانية المشتركة لم يعد يرى العرب فرقا كبيرا بين إسرائيل الأميركية أكثر من الأميركيين، وأميركا الصهيونية أكثر من الصهيونيين، ولم يعد يعنينا كثيراً البحث عمن هو الأداة وعن من هو القائد، وعما إذا كانت إسرائيل هي القاعدة العسكرية لأميركا في الشرق أم أن أميركا هي القاعدة السياسية لإسرائيل في العالم.
والآن.. لقد وضحت الصورة أمام معظم العرب من أن الذي يواجه آمال شعوبنا في الحرية والوحدة والتقدم، هو نفسه الذي يعتدي على بلادنا، كما اعتدى في لبنان ويحتل أراضينا ويسفك بصواريخه وطائراته دماء شهدائنا في فلسطين والعراق والصومال وأفغانستان، والذي خطط لمد عدوانه على سوريا وإيران لولا قدرة المقاومة في المواجهة والصمود مما أدى إلى الفشل الأميركي في العراق والخيبة الإسرائيلية في لبنان.
هذا الموقف العربي المحدد والموحد، يتطلب أن نصنع بمزيد من الوحدة قوة الموقف لنتفاوض أو نقاوم من موقف القوة.
href="mamdoh77t@hotmail.com">mamdoh77t@hotmail.com