نقيب الصحافيين المصريينإذا كان البعض قد نجح في تحويل انتصار شعب لبنان على العدوان الإسرائيلي في يوليو 2006 إلى جزء من صراع سياسي داخلي بدلاً من أن يظل الجامع الذي يضم شعب لبنان بكل طوائفه، فإننا نأمل ألا يتكرر الأمر مع انتصار جيش لبنان في معركة «نهر البارد» على جحافل الظلام التي حطت على لبنان لتنشر الإرهاب مستخدمة راية الإسلام البريء من هذا العبث بمقدرات العرب والمسلمين.
في العام الماضي نجح البعض في اختراق النصر العظيم الذي تحقق على جيش إسرائيل، لينشر المخاوف من تجيير هذا النصر لمصلحة طائفة أو فصيل سياسي.
ولكي يحول الأمر إلى معركة داخلية كان من الممكن أن تتطور إلى الأسوأ لولا الحكمة التي تعاملت بها المقاومة انطلاقاً من تجربة طويلة في حرب التحرير أدركت منها أن المقاومة لا يمكن أن تنتصر إلا إذا كانت مقاومة شعب بأكمله، تترفع على الصراعات الصغيرة، ولا تلتفت لمن يحاول جرها لمعارك جانبيه تبعدها عن الهدف وتسهل للعدو اصطيادها.
ومع ذلك فعلينا أن نعترف بأن الأمر اصبح يختلف مع حملة تسعي لتخويف اللبنانيين من عواقب انتصارهم (!!) ومع أمراء حرب يريدون الاحتفاظ بمواقعهم، ومع صراعات إقليمية ودولية يجد لبنان نفسه في قلبها، ومع سياسة أميركية تبحث عن «نصر» تغطي هزيمتها في العراق، ومع انطلاق موجة الطائفية من العراق المنكوب لتحاول جر العالم العربي كله إلى جحيم حروب الطوائف.
الآن.. وبعد عام من هزيمة إسرائيل في لبنان، يأتي انتصار لبنان الجديد على مؤامرة زرع الإرهاب الظلامي، وتتم تصفية تنظيم فتح الإسلام الذي اتخذ من مخيم نهر البارد نقطة انطلاق ليقيم دولته في شمال لبنان.
وبقدر ضراوة المعركة التي خاضها جيش لبنان وجسامة التضحيات التي قدمها، بقدر احتضان الشعب اللبناني بكل طوائفه لجيشه الوطني واحتفائه بالانتصار الذي تحقق، ليحقق معه لحظة من توحد الشعب العربي في لبنان حول جيشها كما توحد من قبل خلف مقاومته، مع إدراك هنا بان الجيش أصبح هو المعبر الأكبر عن وحدة لبنان المهدد بالانقسام والذي يمر بواحدة من أسوأ الأزمات التي واجهها منذ استقلاله.
ولا شك أن قيادة الجيش اللبناني ـ ممثلة في العماد ميشال سلمان ـ تستحق التقدير لإدراكها المستمر أن الجيش ينبغي أن يظل مؤسسة لكل الوطن، وأن يبتعد عن الصراعات الداخلية رغم كل محاولات توريطه فيها.
ومثلما كان موقفه الوطني عاملاً أساسياً في انتصار العام الماضي على العدو الإسرائيلي، كان هذا الموقف هو الذي أحبط محاولة البعض أن تكون المواجهات في نهر البارد عامل تفجير للموقف المتأزم، أو وسيلة لجر الجيش ليكون طرفاً في الصراعات الداخلية.
ورغم قلة الإمكانيات المتاحة للجيش اللبناني، فقد خاض المعركة واستطاع في النهاية سحق عصابة «فتح الإسلام» ودفع الثمن غالياً من دماء أبنائه.
كما دفع الثمن أيضاً أبناء نهر البارد من اللاجئين الفلسطينيين. لكن الأهم أن الإدارة العاقلة للأزمة من جانب قيادة الجيش وبمساعدة الأطراف الوطنية اللبنانية والفلسطينية استطاعت أن تفشل كل مخططات جرالجميع إلى صدام لبناني ـ فلسطيني، أو إلى تفتيت الوحدة الوطنية التي يمثلها الجيش ويحافظ عليها.
ومن هذا المنطلق كانت تصريحات قائد الجيش التي أراد منها أن يبعد الصراع ضد «فتح الإسلام» عن دائرة التجاذبات السياسية، حين أعلن أن هذا التنظيم الإرهابي لا صلة له بأجهزة المخابرات السورية، وفي نفس الوقت أكد عدم صحة المزاعم التي ربطت بين التنظيم وأطراف في حكومة الأكثرية، وأكد على حقيقة التنظيم كفصيل يؤمن بنهج «القاعدة» أو تابع له.
وإذا كان هذا الموقف قد عرض قائد الجيش لحملات من الهجوم من بعض أمراء الحرب والفصائل السياسية المتناحرة على الساحة اللبنانية، إلا أنه أكد للشعب اللبناني على حيادية الرجل، وحرصه على أن يضع معركة الجيش ضد الإرهاب في مكانها بعيداً عن الخلافات السياسية وفوق الانتماءات الحزبية والطائفية.
ولو كان الرجل يسعى للرئاسة كما يقال، لكان قد آثر السكوت، وترك كل فريق يروج ادعاءاته ضد الفريق الآخر، ولكنه كان يضع مصلحة لبنان فوق أي شيء، ويريد أن تكون المعركة في نهر البارد هي معركة الوطن كله ضد بؤر الإرهاب.
هذا الحرص على إبعاد الجيش عن الصراعات الصغيرة، والإصرار على جعله أداة توحد لا عامل فرقة.. هو الذي جعل رجلا مثل البطريرك صفير يعلن موافقته على تعديل الدستور لكي يسمح بترشيح قائد الجيش ( أو محافظ البنك المركزي ) للرئاسة إذا كان هذا هو الحل لإنقاذ لبنان.
كان ذلك قبل حسم المعركة في نهر البارد من ناحية، وقبل المبادرة الهامة التي تقدم بها الرئيس بري باسم قوى المعارضة بالتخلي عن مطلب تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قبل انتخابات الرئاسة، مقابل التوافق على شخص الرئيس القادم والإقرار بضرورة انتخابه بنصاب الثلثين. ولا شك أن هذين العاملين سيكونان في مقدمة العوامل التي تحكم الساحة اللبنانية في الفترة المقبلة.
وهما قادران ـ إذا تحلت الأطراف المختلفة بروح المسؤولية ـ على إخراج لبنان من أزمته بالبناء على التوافق الذي تحقق حول الجيش اللبناني لتحقيق التوافق المطلوب حول الرئاسة كنقطة انطلاق للتعامل الإيجابي مع الأوضاع المتدهورة لمنع الانقسام وتحقيق المصالحة.
وليس المقصود هنا أن يكون قائد الجيش هو الرئيس القادم بالضرورة، ولكن المقصود أن يكون الرئيس القادم تعبيراً عن الإجماع الوطني الذي استطاع الجيش تحقيقه وسط ظروف بالغة الصعوبة.
إن ذلك يقتضي أولا أن نحافظ على هذا الإجماع القادر على حراسه إنجاز الجيش، فلا يجعله جزءاً من الصراع السياسي الداخلي، ولا يخضعه للحسابات الضيقة التي تسود الساحة السياسية. فلا ينبغي لأي فريق أن يسعى لوضع اليد على انتصار الجيش ولا أن يستخدمه ضد الآخرين.
وإذا كان قائد الجيش قد استبق هذه اللحظات بإعلان هوية تنظيم «فتح الإسلام» ودحض الاتهامات المتبادلة عن مسؤولية سوريا أو مسؤولية أطراف من حكومة الأكثرية.
فعلى الجميع الآن أن يترك انتصار الجيش لأبنائه الذين ضحوا، وعلى الجميع أن يجعلوا حالة الوحدة الوطنية التي احتضنها الجيش ضد المخاطر التي هددت الوطن، حالة استنفار لكي تبقى دائمة تجعل الجميع يدخلون استحقاق الرئاسة بروح التوافق الذي فتحت مبادرة الرئيس بري طريقاً إليه.
وينبغي هنا التأكيد على أمرين :
أولاً: ما أشار إليه نبيه بري من أن مبادرته هي مبادرة «لبنانية» وهو أمر يضع الأطراف المتصارعة على الساحة الداخلية أمام مسؤولياتها، ويؤكد على ضرورة فك الارتباط بين البعض بين قوى الخارج. خاصة أن الكل بات يدرك أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تضغط من أجل منع التوافق، وهي التي تدفع بعض العناصر لتخريب كل جهود في هذا الصدد.
ولعلنا هنا نستذكر أن حملة الهجوم الأخيرة على الرئيس بري والتي استبقت إطلاق مبادرته جاءت بعد أن كانت أطراف عديدة ـ من بينها أميركا ـ على علم بأساس هذه المبادرة، فكانت الحملة محاولة لإجهاضها قبل إطلاقها. والسؤال الآن بعد تجاوز بري لهذا الموقف هو: هل ستغير واشنطن موقفها؟ وإذا لم يحدث فهل سيغير بعض من ربطوا أنفسهم بسياساتها مواقفهم ليمضوا على طريق التوافق بعيداً عن إرادة واشنطن؟
ثانياً: إن «لبنانية» مبادرة بري لم تمنعه من التركيز على ضرورة إنهاء الخلافات بين سوريا والسعودية، ومطالبته الرئيس المصري مبارك بمواصلة جهوده في هذا الشأن، انطلاقاً من أن التنسيق بين الدول الثلاث (مصر والسعودية وسوريا) هو ضرورة لأمن لبنان واستقراره، كما هو ضرورة لأمن العرب جميعاً واستقرارهم وقدرتهم على مواجهة التحديات.
مبادرة بري وانتصار الجيش اللبناني يوفران الأرضية اللازمة لتوافق عربي في لبنان أو حوله، كما يوفران الأرضية لمصالحة وطنية لقوى الداخل. فلا أحد في الداخل ولا في المحيط العربي كان يتمنى نتيجة أخرى لمعركة «نهر البارد». فقد كان «فتح الإسلام» يمثل تهديداً للجميع، منذ أن طرح نفسه بالقوة على أنه يحمل هوية سنية، ليس فقط في مقابل «الصليبيين واليهود» كما يردد، ولكن أيضا ضد الكل في الداخل..
فهو يحمل العداء للشيعة وللمسيحيين اللبنانيين معا، وللتيارات الأساسية في السنة باعتبارها موالية لأميركا، وللذين يقاومون أميركا وإسرائيل باعتبارهم خارج «السنة» التي انتدب نفسه ممثلاً شرعياً وحيداً لها. كان التنظيم ضد الكل في الداخل، وكان أيضا يمثل تهديداً لكل المحيط العربي. ومن هنا كان القضاء عليه يمثل مصلحة عربية بقدر ما هو مصلحة لبنانية .
ومن هنا فإن فرحة كل اللبنانيين بانزياح هذا الكابوس عن صدورهم يدعوهم للتمسك بالنصر الذي تحقق، وبرفع راية الوحدة الداخلية استعداداً لمواجهات يمكن أن تحدث مع تنظيمات شبيهة سيتم زرعها لاستنزاف لبنان وضرب وحدته الداخلية .
ومن هنا أيضا يصبح التوافق العربي الذي طلبه نبيه بري ليس فقط دعماً لمبادرته وتوفيراً لدعم يمكن أن يمرر هذه المبادرة. ولكنه أيضا سبيل للاستعداد لمواجهات أخرى مفروضة على العرب فمثلما تبدو الأزمة في لبنان جزءاً من أزمة المنطقة وانعكاساً للصراعات الدائرة فيها وحولها..
فإن الحل في لبنان يمكن أن يكون المقدمة لحضور عربي ينهي الغياب المؤسف والعجز الطويل، ويفتح الباب لدورعربي مطلوب يمنع تحويل المنطقة كلها إلى صورة مما يجري في العراق، ويمنع التصفية المخططة للقضية الفلسطينية، ويمنع المأساة من أن تكتمل فصولها عربيا، ويعلن بداية جديدة يعود فيها للأمة قدرتها على الفعل، وعلي المواجهة، وعلى الانتصار.