الاستباحة صناعة إسرائيلية بامتياز. سياسة ملتصقة بطبيعة ووجود إسرائيل. تمارسها في الأراضي الفلسطينية والعربية، ناهيك بأجواء الجوار ومياهه الإقليمية؛ على غير انقطاع.

درجت تل أبيب على هذا السلوك، في ظل استقوائها بآلتها العسكرية وبالغطاء الأميركي. وإذا كانت إسرائيل، عادة، تستبيح بالمفرق، فإن استباحاتها هذه الأيام تحصل بالجملة وعلى سائر الجبهات والمستويات.

الساحة أمامها سائبة واللحظة ملائمة. المفارقة الفجة ان هذا التسيّب، خاصة في الضفة والقطاع، قائم لأن المستهدفين مشغولون بمناكفاتهم وصراعاتهم السلطوية؛ كما إن الوضع العربي هو الآخر غارق في خصوماته المعروفة.

العلاقة طردية بين هذا التردي وبين انفلاتها. مروحة الخروقات والعربدة والانتهاكات الإسرائيلية توسعت، لتشمل سوريا. فجأة وبعد عدة تصريحات ماكرة لأكثر من مسؤول إسرائيلي؛ زعم أصحابها بأنه لا نية لإسرائيل القيام بأي عمل عسكري ضد دمشق؛ وإذ بالطائرات الحربية الإسرائيلية تتوغل في العمق السوري.

غارة استطلاعية عدوانية، تحمل أكثر من رسالة سياسية وعسكرية. طابع الاستفزاز فيها، ناهيك عن الغطرسة، أوضح من أن يحجبه التكتم الإسرائيلي بشأنها.

إنه تحضير على الطريقة الإسرائيلية، لـ «مؤتمر السلام»، الذي وعد الرئيس بوش بعقده في نوفمبر المقبل؛ والذي استبعد سوريا ولبنان عنه. استبعاد أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل لتمارس إدمانها على الاستباحة. وطبعاً ليس صدفة أو من غير مغزى أن تتجاهل واشنطن الغارة على شمال سوريا؛ بالرغم من كل ما يمثله هذا العدوان من انتهاك للقوانين والأعراف الدولية.

حتى الصحافة الإسرائيلية أعربت عن استغرابها بل استهجانها للمغامرة، التي أدرجتها في خانة «الغلطة الجديدة» لحكومة أولمرت. لكن الرئيس لاذ بالصمت. ربما لأنه بعيد في استراليا ولم يسمع بها. مشغول بتصحيح زلات اللسان في قمة ابيك، في سيدني. سكتت واشنطن كما فعلت تل ابيب وكأنه لا غارة ولا من يحزنون.

في الوقت نفسه، تواصل ماكينة العدوان والانتهاكات انفلاتها في الأراضي الفلسطينية؛ من الاستمرار بسياسة التهويد والتهجير والتطهير في القدس الشرقية، إلى متابعة عمليات الاغتيال وإطلاق التهديدات بحرب «بلا رحمة» ضد الفلسطينيين؛ مع إبقاء سيف العملية العسكرية الواسعة معلقاً فوق رقبة غزة؛ ناهيك بمواصلة المضايقات على الحواجز والتي اضطرت سيدة فلسطينية، أول أمس: أن تضع مولودها، عند احدها.

شريط الاستباحة في الأراضي الفلسطينية طويل. يتكرر يومياً. تمارس إسرائيل حلقاته وهي تتفرج على أصحاب القضية الغارقين في نزاعاتهم، التي تحولت معها «صلاة الساحات» إلى مسرح كر وفرّ ومطاردة مفتوحة على خطر مواجهات دموية بين «فتح» و«حماس». الأولى تصرّ على تأدية هذه الصلاة. والثانية تلجأ إلى قمعها.

والمأساة أن الفلسطينيين يدركون تماماً أنهم الطرف الخاسر بالتأكيد وان تل أبيب هي التي تجني الأرباح وحدها. مع ذلك يواصل الوضع الفلسطيني تماديه في زيادة هذه الأرباح.

لقد بلغ السيل الزبى. الساحة الفلسطينية تمادت في عبثيتها إلى الحدّ القاتل. وإسرائيل وصل انفلاتها إلى حدّ تهديد المنطقة برمتها. الغياب العربي طال أمده وصارت الصحوة مسألة مصير.. وقبل فوات الأوان.