كل شيء في لبنان هذه الأيام يتم توظيفه سياسيا، لذا ليس مستغربا أن تبدو الأجواء ضبابية الى هذا الحد وأن تستوطن الشكوك في النفوس وأن تعجز العقول عن فهم ما يجري.

وليست أحداث نهر البارد الأخيرة التي كان من المفترض أن تشكل اشتباكا مع تنظيم يمارس العنف على ارض لبنان بعيدة عن هذا التوصيف، فمنذ اليوم الأول للاشتباكات بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الإسلام»، كانت أصوات الاتهامات المتبادلة تعلو فوق أصوات المدافع وكأن أحداث هذا المخيم جزء من معركة يجري توظيفها حسبما يرتضي الخصوم،

بل من تابع الأحداث كان يشعر بهذا التوظيف مع كل تصريح لمسؤول أو خبر أو حتى تحذير، وها نحن اليوم نسمع ان هناك من قدم التهنئة بحسم اشتباكات مخيم نهر البارد الى حكومة السنيورة ومن قصر التهنئة على الجيش اللبناني فقط، ومن يتهم ومن يؤكد سلطته..

وفي ظل هذه الأجواء فإن الأسئلة التي يطرحها كل لبناني اليوم حول تنظيم فتح الإسلام و سلاحه وتمويله وحول شاكر العبسي ومن ورائه، سوف لن تلقى جوابا شافيا، لقد دفنت مع الأحداث كسابقاتها، ولن يحصل الشعب اللبناني على إجابات ولا عوائل الشهداء من الجيش ولا 40 ألف مشرد فلسطيني من الذين دمر مخيمهم بالكامل؟

ولبنان اليوم أمام استحقاق أهم قد يقول البعض، فالغبار المتطاير فوق مخيم نهر البارد انقشع بسيطرة الجيش على المخيم لكن الغموض الذي يلف الرئاسة اللبنانية ما زال كثيفا حيث يكمن الحل الذي سوف يخرج اللبنانيين من حال المراوحة القاتلة التي تحاصرهم.

والأمل كبير في أن تجري الانتخابات الرئاسية في موعدها حسبما يردد معظم السياسيين في العالم، فقد دعا رئيس مجلس النواب، نبيه بري، النواب رسميا الى عقد جلسة عامة لانتخاب رئيس جمهورية جديد في 25 من هذا الشهر سبق ذلك مبادرة تقدم بها باسم المعارضة طرح من خلالها التخلي عن مطلب حكومة وحدة وطنية بالاتفاق على انتخاب الرئيس بأكثرية الثلثين.

وفي هذه الأثناء أيضا، يستقبل الفاتيكان شخصيات من مختلف الدول المعنية بحل القضية اللبنانية، حيث يتواجد في الوقت نفسه البطريرك صفير ونائب الرئيس السوري إضافة الى المبعوث الفرنسي الى لبنان وغيره وهم بدون شك كثيرون، وقد يكون هناك رمزية في هذا المكان الذي يعج بالمتوافدين اليوم،

فالعقدة الرئيسية أمام انتخاب رئيس جديد للجمهورية يمكن أن تشير الى انحسار العقدة في الساحة المسيحية فقط التي تشهد انقساما حادا كان قد أشار إليه مساعد وزير الخارجية الأميركي دايفيد وولش منذ أشهر خلال لقائه بالبطريرك صفير.

فالجنرال عون مرشح المعارضة والزعيم الأقوى على هذه الساحة حسبما أظهرت الانتخابات التي جرت في المتن مؤخرا يرفض وصول غيره الى هذا المنصب في حين يرفض الأميركيون شراكته مع حزب الله ، وهناك من سأل البطريرك صفير عند توجهه الى الفاتيكان عن إمكانية ترشحه لهذا المنصب كمنافس ذي أرجحية لوزن العماد عون،

لكنه رفض الأمر بطريقة دبلوماسية حين قال: لا استطيع أن أحمل بطيختين في يد واحدة. ما يتداول في الفاتيكان اليوم هو أسماء لمرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية، والموقف الأميركي على ما يبدو يتجه الى الحسم حول هذا الموضوع، وهناك أسماء عديدة مطروحة، والسؤال هو هل سيجري الاتفاق على اسم مرشح واحد قبل نهاية المهلة الدستورية 24 نوفمبر المقبل؟

هناك توجه في المنطقة على ما يبدو نحو التهدئة رغم الحادث الذي أعلنت عنه سوريا عن صد مقاتلات إسرائيلية، ولبنان لن يكون خارج هذه السياسة العامة التي ارتضتها أميركا لنفسها بعد سنوات من الاندفاع الجنوني، وربما باستثناء إسرائيل لا أحد يريد مزيدا من الفوضى الأمنية في لبنان، فبانتظار الدخان الأبيض..