لا مخرج من الأزمات الوطنية بين شركاء الوطن الواحد في أي بلد عربي، سواء كانت هذه الأزمة خارجية بالخلاف حول وسائل إنهاء الاحتلال أو مواجهة العدوان وطرق تحقيق الاستقلال وتأمين سلامة الوطن، أو داخلية بالخلاف على السلطة وتأمين المشاركة فيها واستمرار وحدة الوطن وسلامة أراضيه، لا مخرج منها سوى مدخل واحد بفتح أبواب الحوار الوطني وصولاً إلى توافق وطني، وإلا فالانفجار أو الانتحار الوطني.

والحكماء السياسيون وحدهم هم القادرون على شجاعة المراجعة لمواقفهم الحزبية لحساب المصلحة الوطنية، وهم وحدهم القادرون على المرونة السياسية بالتنازل عما هو ثانوي لحساب ما هو أساسي، والعقلاء من الزعماء وحدهم هم الذين يدركون أن الوحدة أقوى من الفرقة وأن السلام أجدى من القتال وأن السياسية أقوى من السيف وأن الحوار أجدى من الاقتتال حيث الكل فيه خاسر والوطن أكبر الخاسرين.

ومع أن هذه من أوليات القواعد السياسية والشراكة الوطنية فإن المراقب العربي لأوضاع البلاد العربية حين ينظر لما حدث ويحدث من تطورات في ملفات الأزمات العربية وبؤر الاقتتال المأساوية، ومواقع التوترات التي تنذر بالانفجار،

ويرى فيها كيف أن مصلحة الفرد أصبحت فوق مصلحة الجماعة، ومصلحة الحزب أضحت فوق مصلحة الوطن بفعل التدخل الخارجي أو قصر النظر السياسي الذي يضع من المشاكل أكثر مما يطرح من الحلول، بل ويقبل المشاكل ويرفض الحلول.

وفي لبنان كما في فلسطين والعراق والصومال والسودان لا مخرج من الأزمات والخلافات والتوترات ولا مدخل إلى السلام والاستقرار والوحدة إلا بالحوار الوطني وصولاً إلى المصالحة الوطنية بين الأطراف المتقاتلة، وإلا بالحوار الوطني الجامع لكل القوى للوصول إلى الجوامع المشتركة بين الأطراف.

وعندما يغلق أحد الأطراف الرئيسية أبواب الحوار، وبينما تستمر الأزمات وتتفاقم الخلافات، سواء بمحاولة الاستئثار بالسلطة بغير استحقاق، أو بمحاولة فرض رؤاه بالقوة بغير مشروعية، أو بالإصرار على مطالب حزبية لا وطنية، أو بمحاولة إملاء شروط تعجيزية على الآخر لتأكيد أنه الغالب وغيره هو المغلوب، يصبح البديل الطبيعي هو الانزلاق إلى الانقسام الوطني والاقتتال الفصائلي، أو الطائفي أو المناطقي فتنفرط وحدة الوطن.

تبدو جميع الأزمات العربية مثيرة للقلق وباعثة على الاهتمام، وداعية إلى ضرورة اعتماد الحلول المعروفة أو للبحث عن حلول ممكنة، ولا فرق كبيرا بين ضرورة إعادة الوحدة الوطنية في فلسطين أو في الصومال أو في العراق طريقاً إلى السيادة والاستقلال، وضرورة منع الانقسام في لبنان أو في السودان طريقاً إلى الحفاظ على السيادة والاستقلال..

تتقدم الأزمة الفلسطينية واللبنانية على غيرها من الأزمات العربية في الظروف الآنية خصوصاً مع ضرورة الاستعداد العربي الجيد بموقف موحد لاحتمالات عقد مؤتمر الخريف للسلام العربي الإسرائيلي في نوفمبر المقبل، ولا يعقل حضور أي من البلدين لهذا المؤتمر في ظل استمرار انقسام السلطة في فلسطين إلى سلطتين والدولة إلى دولتين، ومع شبح هذا الانقسام في لبنان.

فهل من المعقول مثلاً في فلسطين التي يأمل العرب الخروج من مؤتمر الخريف للسلام بإقرار قيام الدولة الفلسطينية على حدود 1967 أن يكون الدخول إلى هذا المؤتمر بدولتين وحكومتين لا تملك أي منهما تجاهل إرادة النصف الآخر للشعب الفلسطيني؟ وهل من المقبول مثلاً في لبنان التي أصر العرب على حضورها مع سوريا شرطاً لانعقاد مؤتمر الخريف أن يحضر لبنان برئيسين وبحكومتين لا يملك أي طرف منهما أن يعبر أو يمثل كل لبنان؟!

من هنا كان القرار العربي صائباً وفى الاتجاه الصحيح بتحويل لجنة تقصي الحقائق حول الانقسام الوطني الفلسطيني إلى لجنة مساع عربية لإعادة الحوار الفلسطيني وصولاً إلى المصالحة الوطنية، حتى تعود لفلسطين السلطة الواحدة والحكومة الواحدة للشعب الواحد،

ومن هنا كانت مبادرة المعارضة اللبنانية التي أطلقها الرئيس نبيه بري بالتنازل عن مطلبها لتشكيل حكومة وحدة وطنية، لفتح باب الحوار في جدار الأزمة للتوافق حول المرشح الرئاسي تحرك في الاتجاه الصحيح حتى يمنع وقوع لبنان في الفراغ الدستوري أو الانقسام الوطني.

لكن القرار العربي والتحرك اللبناني يظل بحاجة إلى متابعة وتفعيل ومزيد من الدعم العربي والإقليمي، حتى لا تصير الرئاسة في البلد الواحد رئاستين، ولا يصير البلد الواحد فى لبنان أو فلسطين بلدين.

mamdoh77t@hotmail.com