في الخمسينات من القرن الماضي، قام رئيس وزراء الهند الراحل جواهر لال نهرو بخطوة أثارت سخرية من حوله: أسس معاهد التكنولوجيا والإدارة الهندية. وكان مبعث السخرية أن أحداً لم يكن يتصور أن معاهد محلية من هذا النوع بإمكانها أن تنافس أو أن تقدم شيئا عما هو موجود في الغرب. يمكننا أن نعزو ذلك أيضاً إلى فقر الخيال في فترة الخمسينات لدى الكثيرين.
لكن نهرو لم يكن من ذلك النوع العادي من رجالات الدولة، بل كان صاحب رؤية. وبعد عقود من برامج الاعتماد على الذات والتصنيع المتواضع التي سار عليها خلفاء نهرو ومعدل النمو الاقتصادي المتواضع والثابت لعقود (3%) وهو المعدل الذي كان الاقتصاديون الهنود أنفسهم يسخرون منه بتسميته (معدل النمو الهندوسي)، جاء وقت الأرقام الكبيرة والزهو وشيء من تصرفات القوى العظمى أيضاً.
ففي عقد التسعينات، بدأت معدلات النمو الاقتصادي في الهند تسجل أرقاماً اكبر بكثير من ذلك المعدل المتواضع لتصل إلى 6 و7 و8 وأخيراً 2. 9% وفقاً لأرقام العام الماضي 2006. والعداء التقليدي مع الصين حلت محله سياسة تبادل المنافع لان في بكين ونيودلهي نوعا جديدا من القادة البراغماتيين الذين طوحوا جانبا سياسات العداء واتجهوا للتجارة وتبادل المنافع ليصل حجم التجارة البينية بين البلدين إلى نحو 20 مليار دولار.
هذا النمو الاقتصادي الهائل بات اليوم معروفا على نطاق واسع وهو مع النمو الاقتصادي في الصين باتا يشكلان احد الأسباب الرئيسية لارتفاع الطلب على النفط في السنوات القليلة الماضية وحتى اليوم. وسوف يتضح فيما بعد أن معدلات النمو الاقتصادي العالية هذه يقف وراءها جيل الإداريين الهنود الذين تخرجوا من معاهد الإدارة تلك التي أسسها نهرو في الخمسينات.
ها قد وصلنا إلى النفط، وقبل نحو أسبوعين، كانت ثلاث مدمرات تابعة للأسطول الغربي الهندي تزور البحرين ضمن جولة لها في المنطقة، وفي اليوم التالي كان قائد الأسطول الأدميرال شيكار سينها والسفير الهندي في المنامة بال كريشنا شيتي يعقدان مؤتمرا صحافيا سبقه عرض مفصل بشرائح الصور عن البحرية العسكرية الهندية وتطورها عبر التاريخ وصولاً إلى حقيقة لا تستوقف الكثيرين: 3 أرباع السفن الحربية التي يملكها سلاح البحرية الهندية مصنعة محليا.
ثمة المزيد: حاملة الطائرات الهندية المصنعة محليا أيضاً والتي تحمل طائرات (الهاريير) التي تقلع وتهبط عموديا سيضاف إليها حاملات طائرات أخرى معدلة عن نماذج روسية يجري التفاوض بشأنها. وبدلا من طائرات تقلع عموديا على سطحها، سيتم تزويدها بمقاتلات (ميغ- 29) معدلة خصيصاً للعمل على ظهر حاملات الطائرات.
علينا أن نتذكر أن الهند تقوم بتصنيع المقاتلة الروسية (ميغ 27 - فلوغر دي) منذ سنوات بترخيص من روسيا. وخلف النمو الاقتصادي الكبير والقوة العسكرية المتنامية، يقف رقم يبعث على الدهشة أيضاً هو ذاك المتعلق بالإنفاق العسكري: 5. 2 % من الدخل القومي حسب أرقام العام 2006.
وعندما بدأ السفير والأدميرال في الحديث عن العلاقات التاريخية و المتينة بين الهند ودول المنطقة، مشددين على الأهمية القصوى التي يمثلها الخليج بالنسبة للهند التي تستورد 90% من احتياجاتها النفطية من دوله وكيف انه يمثل شريانا حيويا للهند، سألت السفير والأدميرال عن الظرف الذي يمكن أن يجد فيه القادة الهنود أنه لا مناص من التدخل في المنطقة فكان الجواب: توقف إمدادات النفط.
انه نفس الجواب الذي يردده القادة العسكريون والسياسيون الأميركيون والغربيون عموما عندما يتعلق الأمر بالحضور العسكري الأميركي الكثيف في هذه المنطقة، لكن العبرة هنا ليست في النمو الاقتصادي الكبير ولا القوة العسكرية المتنامية التي تتطلب أيضاً لغة جديدة، بل في مكان آخر.
إن نموذج النمو الهندي يقودنا من جديد إلى تلك المعادلة التي تم إهمالها بشدة هي تلك المتعلقة بالنمو الطبيعي والطفرات. أي بعبارة أخرى: الرؤى البعيدة المدى والتخطيط الطويل والعمل المثابر والدؤوب.
إن هذا النمو الذي حققه الهنود لم يأت بشكل مفاجئ وليس وليد اليوم، بل هو ثمرة سياسات قديمة ومثابرة وعمل دؤوب استمر عقودا طويلة.
وعلى الرغم من استدراكات عديدة يمكن أن تطرح هنا على نموذج النمو الهندي مثل نسبة الدين العام ( 53% حسب أرقام 2006) من الناتج القومي ونسبة 25% من السكان تحت خط الفقر والزيادة الهائلة لسكان بلد مكتظ أيضاً، لكن سياسات النمو الطبيعي والاعتماد على الذات جاءت بثمارها وأثبتت جدواها ونجاحها.
في الثمانينات من القرن الماضي، ومع طفرة المداخيل النفطية الهائلة، سادت لغة جديدة هنا في الخليج هي عبارة عن هجاء مرير لتجارب التصنيع والاعتماد على الذات ومحاولات مبكرة قامت بها بعض البلدان العربية لتأسيس قاعدة اقتصادية تتجه للتصنيع الخفيف والثقيل في بعض البلدان التي بدأت منذ الخمسينات أو الستينات السير في هذا الاتجاه.
لقد بدت هذه التجارب مثل نبتة هجينة بالنسبة للكثيرين، وكان مستوى الجودة المتدني في بعض المنتجات سببا وحجة للهجاء والدعوة إلى التوقف بدلا من أن يكون حافزا للتطوير مثلما تقترحه أمثولة النموذج الهندي. لكن الثمانينات من القرن الماضي هي الفترة نفسها التي شهدت ذلك التدفق الهائل للعمالة الهندية والآسيوية عموما على بلدان الخليج من اجل مشروعات ضخمة وجبارة في البنية التحتية والمنشآت وغيرها.
وهي الفترة التي جاءت بالعمالة الرخيصة والعمالة الماهرة أيضاً وجيل من التقنيين والإداريين الهنود خصوصا والأجانب عموما، لكن الثمار كانت متباينة لدينا ولدى الهنود. فالهند تفكر اليوم في ملايين من مواطنيها المهاجرين الذين يعملون في الخارج في كل الوظائف تقريبا، من العمالة المنزلية إلى الإداريين الكبار ومسؤولي المصارف وباتت تسن المزيد من القوانين من اجل حمايتهم سواء بقوانين الحد الأدنى للأجور أو الإجراءات الرامية لتوفير الحماية القانونية والإنسانية لهم.
أما الجديد هنا فهو أن الهند تفكر في جعل الهجرة أمراً لا يستحق العناء أمام مواطنيها، واحد أهم الأدوات لهذا هو تحديد حد أدنى لأجور العمالة المهاجرة. إن هذا يستدعي إضفاء المزيد من الجاذبية على الاقتصاد الهندي نفسه، وهذا معناه مزيد من النمو.
احد أهم المفارقات بين النموذج الهندي في النمو النموذج السائد في دول الخليج هو الأيدي العاملة. إن قلة السكان ظلت احد العوامل المؤثرة بقوة في مشروعات وخطط التنمية لدينا. فعلى العكس من الهنود، فإن قلة من سكان دول الخليج باستثناء السعودية وعمان والبحرين مثلا يمكن تصنيفهم طبقة عاملة بالمقياس التقليدي. وفي نظر الكثيرين فان هذا مرتبط بعوامل ثقافية أكثر منها اقتصادية،
لكن ربما يصلح نموذج البحرين هنا لتصحيح هذا الفهم. فمنذ أواخر الثمانينات التي شاع فيها خطاب يدعو النساء للجلوس في المنازل، ومع إنتاج نفطي لا يتعدى 37 ألف برميل في اليوم، بدأت الأرقام التي لا تعرف المزاح في التأثير بقوة في هذه الثقافة العامة السائدة إلى الحد الذي دفعت فيه بالنساء إلى الدخول إلى سوق العمل وفي وظائف لم تكن تخطر على البال في يوم: عاملات في المطاعم وعاملات في مصانع النسيج يبدأن يومهن منذ الصباح الباكر وحتى ما بعد الظهر بل مغامرات أيضاً بمشاريع صغيرة.
أما الشبان فقد أصبحوا يعملون في وظائف كانوا يتأففون منها قبل سنوات: عمال في محطات البنزين وفي شركات النظافة. أي أنهم عادوا لأعمال كان آباؤهم يقومون بها لولا فترة طفرة في مسار نمو طبيعي بدأ منذ الثلاثينات.
كاتب بحريني