بالرغم من ان اعمال العنف وأعمال القتل العشوائي للمدنيين العراقيين استمرت وبوتيرة متصاعدة خلال الايام الاخيرة ، الا ان ذلك لا يمنع من التوقف والتساؤل حول ما اذا كان العراق سيتجه خلال الفترة القادمة نحو الهدوء ولو النسبي؟
ولعل ما يدفع الى التساؤل رغم ما يجري على السطح هو ان الايام الاخيرة شهدت في الحقيقة تطورات لها قدر من الاهمية وعلى نحو يجعلها ذات تأثير على ما يشهده العراق من تفاعلات وتطورات خلال الفترة القادمة.
من المؤكد ان الزيارة السريعة والمفاجئة التي قام بها الرئيس الامريكي جورج بوش الى الانبار - غرب العراق - يوم الاثنين الماضي والتي استمرت نحو ست ساعات التقى خلالها بوش مع كبار قادته العسكريين في العراق هي زيارة مهمة وذات دلالة ايضا في سياق ما يجري في العراق وما قد يشهده في الفترة القادمة.
ومع الوضع في الاعتبار ان زيارة بوش للانبار - وهو في طريقه لحضور قمة (ابيك) في استراليا - عبّرت عن الاهتمام الكبير من جانب الرئيس الامريكي بما يجري في العراق في هذه الفترة التي تشهد جدلا واسعا حول الاستمرار في العراق او الانسحاب الذي تطالب به قيادات الحزب الديمقراطي وقيادات اميركية اخرى ذات وزن - فإن مما له دلالة ان الزيارة جاءت قبل عدة ايام من تلقي الرئيس بوش تقريرا من قائد القوات الاميركية في العراق الجنرال بترايوس ومن سفيره في العراق رايان كروكر في منتصف الشهر الجاري.
وهو التقرير الذي سيشكل ركيزة لما يمكن ان تتخذه ادارة بوش من قرارات لتعديل سياساتها الحالية في العراق. ومن ثم فإنه كان ضروريا، فيما يبدو، ان يلتقي بوش بكبار قادته في العراق ليستمع منهم مباشرة وليس عبر مؤتمرات الدوائر التلفزيونية المغلقة التي يعقدها معهم في احيان كثيرة.
من جانب فإن الزيارة وتوقيتها تطرح عنصرا اخر، فقد تزامنت الزيارة مع انسحاب القوات البريطانية من قصر البصرة - اي من داخل مدينة البصرة - لتنضم الى القوات البريطانية الموجودة في مطار البصرة خارج المدينة تمهيدا لسحب بعض القوات البريطانية من العراق وتسليم الاشراف الامني على البصرة للقوات العراقية خلال الفترة القادمة.
ونظرا لان انسحاب القوات البريطانية من البصرة قد تكون له تأثيرات ما على معنويات القوات الامريكية في العراق خاصة وان بريطانيا هي اكبر شركاء واشنطن هناك، فإنه يمكن القول بأن زيارة بوش للانبار والتقاءه بقواته من شأنها ان ترفع معنوياتهم وتطمئنهم. وليس مصادفة على اي نحو ان يشير بوش خلال الزيارة الى امكان تخفيض عدد القوات الاميركية في العراق، بغض النظر عما قد يحدث في الواقع.
وبغض النظر عن الجدل الاميركي - البريطاني في الايام الاخيرة حول الحرب في العراق، فإن سحب القوات البريطانية من داخل مدينة البصرة وما حققته القوات الاميركية في الانبار وهو خطوة ملموسة يشيران الى انه يمكن تحقيق تقدم ولو بطيئاً نحو استعادة الهدوء الى العراق .
وهو ما يراهن عليه الرئيس الاميركي ومن الممكن تحقيقه بالفعل خاصة اذا تم تطبيق الاتفاق الذي تم التوقيع عليه امس بين الاطراف العراقية في هلسنكي لتحقيق المصالحة العراقية والتخلي عن استخدام السلاح لحل الخلافات بين الفرقاء العراقيين.
واذا اضيف الى ذلك المساندة الاميركية لحكومة رئيس الوزراء العراقي، وهو ما اكده الرئيس بوش مرة اخرى خلال زيارته للانبار، فإنه يمكن لحكومة المالكي ان تحقق خطوات ايجابية خاصة اذا تخلصت بالفعل من العناصر الطائفية التي تسللت الى الشرطة وبعض الاجهزة الاخرى وهو ما اشار رئيس الوزراء العراقي الى اتخاذ اجراءات عملية بشأنه في الايام الاخيرة. ومن هنا فان استمرار وحتى اشتداد اعمال العنف في العراق لا يستطيع ان يخفي او يقلل من اهمية الخطوات التي تتبلور للسير نحو التهدئة واستعادة الاستقرار مرة اخرى في العراق الشقيق.
