تفاخر المدن الكبرى بمعالمها الحضارية والتاريخية، ومن أهمها تطور المواصلات الداخلية حين كانت روسيا على القائمة الأولى في العالم، وإذا كنا نتجه لأن نكون نموذجاً عصرياً يدخل النادي الدولي، فإنه من المؤسف أن يتأخر تنفيذ مشاريع المواصلات لأسباب غير معروفة، وربما لا تستند إلى قاعدة موضوعية.

لنأخذ المدن الكبرى التي شهدت في بدايات تأسيسها مواصلات الدولة التي كانت تنقل الموظفين من منازلهم إلى جهات أعمالهم في رحلة كانت شاقة، لكنها لو طورت لأصبحت أحد المخارج من اكتظاظ المدن بمختلف الأنواع من السيارات، ولعل افتقادنا إلى قطارات معلقة وأرضية، وحافلات نقل تقف في مراكز محددة.

كان من الممكن أن لا يجعل فوضى قيادة السيارات جزءاً من كارثة اجتماعية وبيئية عندما يكون لكل أربعة أفراد في منزل تعداده لا يتجاوز سبعة أبناء سيارتان أو ثلاث مما ترتب عليه أن كل فرد يتنقل وحده في سيارة، وفي كل الظروف سواء الذروة وغيرها.

بينما في مدن العالم المتطورة تُمنع أي سيارة خاصة أن تنقل أقل من ثلاثة أفراد تسهيلاً للسير وحركته، ولعلنا لو نظرنا لهذا الرفاه المصطنع لوجدنا أن أحد أسبابه الرئيسية أنه لا توجد مواصلات تربط الوسط والأطراف ببعضها، ولا أي وسائل نقل عامة أخرى مما ضاعف تلوث البيئة حتى إن عاملاً أو مجموعة عمال يقومون بشراء سيارة خارج الخدمة، وتكون سبباً في حوادث السير بما لا تسمح به قوانين المدن العالمية المتطورة..

وإذا كان لبعض التنظيمات في كثير من المدن تجمعات للسيارات الخاصة لتقف على أطراف المدن ومنع دخولها ثم تقوم وسائل المواصلات الأخرى بنقل الركاب إلى المراكز الرئيسية مثل المطارات والأسواق، أو قلب المدينة فإننا لا نجد على خارطة خططنا مثل هذا النموذج.

ثم إنه إذا كانت الدولة والشركات والمؤسسات المختلفة تدفع بدل مواصلات يدخل ضمن الراتب، لتعطي للعامل والموظف حرية الاختيار أدى إلى أن كل فرد، حتى لو كانت ظروفه غير مواتية يقوم بشراء سيارة أياً كان نوعها و"موديلها" يتحمل ثمنها وصيانتها ووقودها، ومشاكل وقوفها في الصيف والشتاء، فإن هذه الظاهرة لا تشهدها أي دولة أخرى أكثر ثراءً منا حتى إن معاناة الطلبة في الجامعات والمدارس، حين صار لكل طالب سيارته الخاصة أن تضررت الأحياء، وخلقت مشكلة للجامعات عندما ترى تلك المظاهر لمواقف السيارات، وكأنك في مصانع إنتاج وليس في حرم جامعي..

لم تتضح الأسباب عن عدم إيجاد مواصلات عامة والتي يساعد على نجاحها أن مدننا الكبرى خُططت حديثاً وجاء توسعها بمختلف الاتجاهات أن صارت شوارعها وطرقها الطويلة، والخطوط الدائرية حولها، أحد أهم جغرافيتها، ومع ذلك لا نرى كيف سنتعامل مع ظروف السنوات القادمة إذا ما استمر استيراد العدد الهائل من السيارات الجديدة والمستعملة، وأن هناك أزمات ستنشأ في حالات التنقل بما فيها أوضاع سيارات الإسعاف والإطفاء، وحتى سيارات الأمن إذا لم نجد حلولاً إيجابية وسريعة لمشكلة حلولها كثيرة ومتعددة..