تعرف العلاقات الفرنسية - الأميركية «شهر عسل» جديدا بعد حالة من «الطلاق» الذي حمّل كل طرف مسؤوليته للطرف الآخر بسبب الموقف من الحرب الأميركية - البريطانية على العراق ربيع عام 2003. رأت واشنطن يومها في فرنسا «رأس حربة» المعسكر المناهض للإرادة الأميركية في دمج الحملة على العراق ضمن إطار الحرب الشاملة ضد الإرهاب.

ورأت باريس في ذلك المشروع الأوروبي «مغامرة» غير محسوبة قد تُدخل منطقة الشرق الأوسط كلها، ومعها العالم، في دوّامة مجهولة النهايات. الواقع أثبتت أن وجهة النظر الفرنسية كانت هي الأوضح والأصح وأن الأميركيين لا يعرفون أين ستقذف بهم رياح العاصفة التي أثاروها في العراق.

عارضت فرنسا الولايات المتحدة أثناء الأزمة العراقية وعارضت الحرب جملة وتفصيلا. ولم يخف الفرنسيون بأغلبيتهم في ذلك السياق عواطفهم المناوئة لإعادة انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة في شهر نوفمبر 2004.

باختصار وصل التنافر بين الولايات المتحدة في ظل إدارة جورج بوش وفرنسا برئاسة جاك شيراك إلى حد دفع وزيرة الخارجية الأميركية الحالية إلى التلفظ بجملتها الشهيرة حول «الغفران لروسيا» و«نسيان ألمانيا» ولكن «معاقبة فرنسا». هذا على اعتبار أن هذه الدول الثلاث كانت قد شكّلت «محور الرفض» الأساسي للنهج السياسي الأميركي حيال أزمة ثم حرب العراق.

جرى بسهولة ويسر، بل ببعض الحماس، التجديد لجورج بوش كرئيس للولايات المتحدة الأميركية. وسرت الأقاويل والتكهنات حول «الثمن» الذي سوف تدفعه باريس كـ «جزاء» على مواقفها السابقة. لكن وأمام دهشة الجميع لم تحمل إدارة جورج دبليو بوش «عصا التأديب» وإنما على العكس تبنّت لهجة معتدلة، تصالحية. بل ما أن تمّ تعيين السيدة غوندوليزا رايس وزيرة للخارجية حتى جعلت من باريس أحد أول العواصم الأوروبية التي قامت بزيارتها. كانت خطوة أولى في مسيرة للتقارب «لم تتوقف» بعد ذلك.

الملفت للانتباه، بل المدهش، أن موضوع التقارب الأساسي الفرنسي- الأميركي، تمثل في منطقة الشرق الأوسط تحديدا، أي المنطقة التي كانت قد تباينت، وأحيانا تعارضت، حولها المواقف الفرنسية الأميركية على خلفية التنافس وتباين المصالح. وقد يمكن القول وصولا إلى الخلاف الصريح حول بعض القضايا مثل القضية الفلسطينية.

كانت الملامح الأولى لعودة المياه إلى مجاريها بين واشنطن وباريس اتفاقهما حول القرار رقم 1559 الصادر عن الأمم المتحدة بخصوص لبنان، والذي ترتب عليه تسريع انسحاب القوات السورية. وإذا كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قد أبدى تشددا حيال سوريا، من موقع «شخصي»، فإنه اقترب آنذاك من الموقف الأميركي حيالها.

ويمكن قول الأمر نفسه حيال التصريحات التي أدلى بها يوم 27 أغسطس الماضي الرئيس نيكولا ساركوزي أمام السفراء الفرنسيين في العالم أثناء لقاء رئيس الجمهورية السنوي معهم في باريس، إذ بعد أن أكد على صداقة فرنسا للبنان، وأنها «ليست موجهة نحو مجموعة أو طائفة» أضاف أنه إذا «التزمت» سوريا بـ «وضوح» في نهج تشجيع «الوصول إلى مخرج من أعلى» في لبنان فإنه ستتوفر عندها الشروط من أجل الشروع بحوار فرنسي- سوري.

مثل هذا الموقف يتناغم إلى حد التشابه مع التصريحات التي أطلقها مؤخرا العديد من المسؤولين الأميركيين. هذا ولو كانت خلفية موقفهم وحساباتهم تنظر إلى دور سوريا «الممكن والمطلوب» في العراق أكثر مما تنظر صوب لبنان.

بالنسبة للعراق توقفت فرنسا عمليا عن إعلان أي موقف «قد يعيق» الانتصار الأميركي في الحرب، رغم معارضتها المبدئية لها. ولم تكن تريد بالتأكيد هزيمة «الحليف الأميركي» عسكريا. بل تجنبت باريس أي موقف قد تمكن ترجمته وكأنه نوع من «الشماتة» بالأميركيين الذين كانت قد «أسدت لهم النصائح» بعدم خوض مغامرة الحرب «المتهورة». هذا فضلا عن تأكيدها مرارا وتكرارا أنها لن تحل المشكلة العراقية، وأن الحل الدبلوماسي كان لا يزال ممكنا وناجعا ويفتح آفاقا يمكن لغبار المدافع وركامها سدّها.

ومنذ ما يزيد على أربع سنوات وكل يوم يتأكد ويتوضح أكثر الفشل الأميركي في حرب «خسرها» أصلا أولئك الذين أشعلوا شرارتها. هذا فضلا عن تدميرها للعراق الذي دخل، وربما معه المنطقة في دوامة عنف تضرب في كل الاتجاهات.

مثل هذا الواقع «المفجع» يؤيد صحة التحليلات التي كان الفرنسيون قد قدّموها، ولا حاجة للقادة الفرنسيين بـ «التبجّج» بذلك أمام الملأ. بل حرصوا منذ اندلاع الحرب على التأكيد أن الحل «لن يكون سوى سياسي». وهذا ما ردده حرفيا الرئيس نيكولا ساركوزي في حديثه لسفراء بلاده، مضيفا أن هذا «يتطلب تحديد أفق واضح يخص انسحاب القوات الأجنبية من العراق».

هذه الإشارة الأخيرة كان قد نسيها وزير خارجية فرنسا برنار كوشنر أثناء زيارته الأخيرة إلى بغداد. هكذا صحح الرئيس ساركوزي «خطأ» وزير خارجيته وأعاد الدبلوماسية الفرنسية إلى نهجها المستمر والمتمثل في الانتقال من موقف «مواجهة» أميركا قبل اندلاع الحرب إلى «جانبها» بعد اندلاعها.

ويبدو التناغم الفرنسي- الأميركي «قويا» اليوم حيال الملف النووي الإيراني. فمنذ البداية عمليا أكّدت واشنطن أنها لا تستبعد أي خيار ضد إيران، إذا لم «تعلّق» برامج تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك الخيار العسكري. تبنّت فرنسا ومعها ألمانيا وبريطانيا أولا طريق الوساطة. لم تعارض واشنطن. لكن لم يتم التوصل إلى أي اتفاق ملموس.

اتخذت فرنسا في عهد شيراك، موقفا يؤكد رفض تزوّد إيران بالسلاح النووي، وهذا ما عبّر عنه بيان صدر عن رئاسة الجمهورية الفرنسية يوم الأول من شهر فبراير 2007 وجاء فيه: «إن فرنسا، مع المجموعة الدولية، لا يمكنها أن تقبل منظور تزوّد إيران بالسلاح النووي وهي تطلب منها الالتزام بنصوص معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، مع تأكيد حقها بامتلاك الطاقة النووية المدنية».

الرئيس ساركوزي كان مؤخرا أكثر وضوحا عندما قال: إن وجود إيران مزوّدة بالسلاح النووي أمر غير مقبول بالنسبة لي. وبعد أن طالبها بـ «احترام واجباتها» فيما يخص تعليق تخصيب اليورانيوم -دون ذكر حقّها بامتلاك الطاقة النووية المدنية- حدد الخيار المطروح بـ «القنبلة الإيرانية أو قصف إيران». لتأكيد صاحب التصريح هو الرئيس نيكولا ساركوزي وليس الرئيس جورج دبليو بوش.

أما الإيقاع الأكثر تناغما في التقارب الفرنسي- الأميركي بالقياس إلى فترة «شيراك العرب» فهو تأكيد الرئيس ساركوزي على أنه «صديق إسرائيل» وحرصه على «أمنها». وكان هذا ما أعلنه بصراحة ووضوح منذ أن كان مرشحا، ثم أضاف من موقع الرئيس «الصديق» تأكيده للإسرائيليين والفلسطينيين أن فرنسا مصممة على اتخاذ ودعم أية مبادرة للسلام.

لكن رغم كل ما قيل، فإن «للتناغم حدودا» بين السياسات الفرنسية والأميركية حيال الشرق الأوسط. فإذا كانت فرنسا قد أبدت دائما تمسكها بقيام «دولة فلسطينية» حتى في ظل دبلوماسيتها الحالية، فإن قيام مثل هذه الدولة ليس بالتأكيد بين أولويات إدارة الرئيس بوش.

وإذا كانت فرنسا تنظر إلى علاقتها مع سوريا من خلال اهتمامها بلبنان أساسا فإن الولايات المتحدة ترى في سوريا أولا حدودها مع العراق. وفرنسا قد تحبّذ دمج إيران داخل المجموعة الدولية أما أميركا فقد تحبذ نبذها منها. باختصار يمكن للمنظور أن يكون واحدا بينما تختلف زوايا الرؤية. ولا يكفي النوم على وسادة واحدة من أجل رؤية نفس الأحلام.

كاتب سوري