تصل وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الى المنطقة منتصف هذا الشهر في إطار مساعيها لعقد لقاء واشنطن الدولي الذي دعت اليه وجعلت الرئيس الأميركي جورج بوش يتبناه. وهو لقاء اختلفت التوقعات بشأنه بين متشائم ومتفائل بحذر.. لكن ليس هناك متفائل حقاً.

إذ ان اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية الأولية التي من المفروض ان تعد العدة للقاء ما زالت تراوح في مكانها، ولم يتوصل الجانبان الى مذكرة إعلان المبادئ التي اقترحها الإسرائيليون ورفضها الفلسطينيون مبكرا ثم عادوا للموافقة عليها وبدأوا يتحدثون مع الاسرائيليين حولها.

ففي اللقاء الأخير الأسبوع الماضي طرق كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت لأول مرة القضايا الشائكة أي قضايا الحل النهائي كالقدس والحدود والاستيطان لكنهما لم يدخلا في تفاصيل، وشكلا لجنة مشتركة لبحث صيانة إعلان المبادئ المزمع طرحه في لقاء واشنطن المقرر في نوفمبر المقبل.

الجانب الفلسطيني الذي وجد في المؤتمر نوعاً من حبل النجاة من أزمته السياسية الداخلية يبدو الآن متشائما لأن اللقاءات مع الاسرائيليين ما زالت تدور حول القضايا دون الدخول فيها حتى أن الرئيس الفلسطيني عاد يستخدم لغة كان استخدمها سلفه الرئيس عرفات قبل مؤتمر كامب ديفيد حيث قال ان هذا المؤتمر يجب الإعداد له إعدادا جيدا.

والإعداد الجيد يعني الاتفاق على حلول حول قضايا الوضع النهائي وليس تأجيلها. إذ ان الاسرائيليين كما يبدو غير مستعدين داخليا للتوغل في التسوية حالياً ويكتفون بالدوران حولها لتحقيق مكاسب سياسية داخلية أي إنعاش حزب كديما من جهة ودعم موقف زعيمه اولمرت في مواجهة الدعوات لاستقالته بعد تقرير فينوغراد حول هزيمة الصيف الماضي في حرب لبنان.

ويدرك اولمرت انه غير قادر على انجاز تسوية في المدى القريب ويدرك الأميركيون كذلك انه لا اولمرت ولا عباس قادرين على مثل هذا الانجاز بسبب أوضاعهما الداخلية المعقدة. فالسلطة الفلسطينية ما زالت تعيش أزمة فقدان غزة وهل تستطيع إبرام تسوية في غياب غزة؟

واولمرت يواجه معارضة ليكودية يمينية بدأت تتحد في مواجهته وتحاول سحب حزب افيغدور ليبرمان من الحكومة وهناك مخاوف من تحالف حزب العمل مع الليكود بشأن إجراء انتخابات مبكرة حيث ان حزب العمل بزعامة ايهود باراك معني الآن أكثر بالأمن الإسرائيلي اكثر من التسوية ويعارض حتى ازالة حواجز سبق وان وعد اولمرت شريكه عباس بإزالتها مراراً.

وفي النهاية تقرر ان يشكل الجيش الإسرائيلي لجنة لدراسة الحواجز والسواتر وما يمكن إزالته لكن اللجنة سترفع تقريرها بعد ثلاثة أشهر. وباراك نفسه يعارض أية تسوية دون ان تكون هناك سلطة فلسطينية قوية ذات أجهزة أمنية تمنع اي عمل عدائي ضد إسرائيل ودون أن يكون هناك سلاح مضاد لصواريخ الكاتيوشا.

عمليا يقيس الإسرائيليون يمينا ويسارا ووسطا مواقفهم بشأن مفاوضات التسوية بحساباتهم الحزبية والأمنية، وليس بالحاجة الى السلام. فيما الجانب الفلسطيني الضعيف يحاول توسيع لقاء واشنطن ليشمل سوريا ولبنان حتى يمكن التأسيس على قاعدة مبادرة السلام العربية لدعم موقفه.

لكن الاسرائيليين وان رغبوا في الحضور العربي كالسعودي وغيره غير معنيين مثلهم مثل الأميركيين بالحضور السوري، لأن هدف واشنطن من اللقاء هو البحث عن دعم عربي للموقف الأميركي في العراق في مواجهة إيران وسوريا.

ومقابل ذلك دعم أميركي لإقامة دولة فلسطينية ويبدو أن الدعم العربي لاستقرار العراق وصولا الى إيجاد علاقات معينة بين إسرائيل وبعض الدول العربية هما الحاجة الملحة فيما ان موضوع الدولة الفلسطينية سيجري التمديد له بطريقة «اوسلوية» اي إعلان مبادئ جديدة مع بعض الإغراءات للسلطة الفلسطينية كمنحها بعض الصلاحيات على احياء عربية في القدس.

اعتقد ان الكفة الأميركية هي التي سترجح في النهاية لأنهم معنيون بتحقيق انجاز سياسي معين من وراء اللقاء وهم سيطرحون فكرة إعلان المبادئ ثم التنفيذ طويل الأمد بحجة إعادة تأهيل السلطة إداريا واقتصاديا وهذا يتولاه مبعوث اللجنة الرباعية توني بلير وأمنيا يتولاه المنسق الأمني الأميركي الجنرال كيث دايتون الذي ينكب على خطة لتقوية أجهزة الأمن الفلسطينية وتسليحها بمعنى آخر فان إعلان المبادئ المقترح سيكون على غرار اوسلو مع فارق بسيط وهو بدلا من الإشارة الى إقامة سلطة فلسطينية سيشير الى إعادة بناء السلطة.

وبين إقامة وإعادة بناء يمكن للدول الفلسطينية ان تنتظر سنوات أخرى فالمهم بالنسبة للأميركيين والإسرائيليين استئناف المفاوضات وإيجاد أفق سياسي يسمح للرئيس بوش بألا يظهر كالفاشل ولاولمرت بالتنفس وللسلطة الفلسطينية بالبقاء فقط لا غير.