المكتشف بالطبع هو كاتب هذه السطور، فتوفيق الحكيم أشهر من نار على علم ـ كما يقال ـ إذ احتل بإنتاجه المسرحي والروائي شطراً مهماً من الحياة الثقافية العربية عموماً ومن تطور الثقافة في مصر بالقرن العشرين على وجه الخصوص. والحكيم فنان بالسليقة وآية ذلك أنه يحمل روح التمرد، وهي إحدى خصال الفنان، فقد نجحت وساطات أبيه.

الذي كان يعمل في سلك القضاء في ابتعاث ابنه إلى باريس لاستكمال دراسته العليا في تخصصه القانون في العام 1925، فعاد الابن توفيق بعد ثلاث سنوات بخفي حنين. فقد استهوته حياة باريس الثقافية والفنية «فصاع» في مسارحها ومكتباتها ومتاحفها ونسج علاقات مع فنانيها ورجال الفكر فيها، وعب من ثقافتها ومن التراث الأوروبي حتى ارتوى.

والغريب في الحكيم إنه استوعب الثقافتين الإسلامية العربية والثقافة الغربية بخلفيتها اليونانية والرومانية ثم المسيحية فالعلمانية. بل إنه أيضاً استوعب التراث الفرعوني وربما تراث منطقتنا العربية بحضاراتها المختلفة وبممالكها المتنوعة، التي ظهرت قبل الإسلام بأوقات طويلة.

نظرة خاطفة على عناوين مسرحياته تثبت لنا ذلك: فهذه مسرحية «أهل الكهف» التي نشرها في العام 1933، وتلك هي «شهرزاد» التي ظهرت في العام الذي يليه، ثم «أشعب ملك الطفيليين» بعد أربع سنوات، ثم «براكسا أو مشكلة الحكم» ـ وهي من تراث اليونان ـ في العام 1939 ف «بجماليون» وهي أيضاً من ذات المصدر وقد نشرها في أتون الحرب العالمية الثانية، تلتها مسرحية «سليمان الحكيم» والملك أوديب، ثم بعد ذلك بفترة ـ 1955 ـ نشر مسرحية «إيزيس» استمدها من تراث بلده العريق مصر في أيامها الخوالي.

وطَرق الحكيم بمسرحياته المتقنة فنياً القضايا الكبرى التي شغلت الفكر البشري من قبيل الحرب والسلام، الحُكم أو السلطة والمُلك، دولة النظام والقانون، العدالة الاجتماعية، القوانين المستوردة ومدى ملاءمتها لأوضاعنا الاجتماعية، والأصالة والمعاصرة فضلاً عن المشكلات الشخصية التي تزخر بها النفس الإنسانية والتي تمثل قاسماً مشتركاً بين بني البشر.

وهو لم يكتب المسرحية بل ألف الرواية أيضاً ك«يوميات نائب في الأرياف» (1973) ووضع فوق هذا وذاك السيرة الذاتية في «عصفور من الشرق» (1983) و«عدالة وفن» (1953،) أما المؤلف الأول فهو سيرة ذاتية على شكل روائي لحياته في باريس، في حين أن الآخر عبارة عن قصص ظريفة لتجربته كنائب (يمثل النيابة العامة) في إحدى المدن المصرية الصغيرة، وهو يمتلئ بمواقف ظريفة سطرها توفيق الحكيم بأسلوبه الساخر وتصلح لأن تكون مادة لطلبة الحقوق وأقرانهم في تخصص علم الاجتماع القانوني!

وقد بدأ الحكيم يؤلف المسرحية لكي تُمثل على خشبة المسرح في عشرينيات القرن الماضي، وعلى خشبة مسرح أنور عكاشة، بمعنى أن مسرحياته في هذه المرحلة لم تكن نصوصاً للقراءة والتأمل بل كانت غايتها أن تحول إلى عمل يظهر على خشبة المسرح.

بيد أنه ما لبث أن تغيرت نظرته فبات لا يعير تمثيل أعماله المسرحية أي اعتبار ولا يعطي ظهورها على خشبة المسرح أي وزن. فقد تحول الحكيم إلى المسرح التأملي أو الفكري أو الذهني، حيث تتناول المسرحية إشكالية من إشكاليات الحياة بالذات في تلك النواحي التي يخاطب المرء فيها ذاته ويصبح الحوار مع النفس وليس مع الآخر.

وفي مثل هذه الحالات يصبح من العسير إخراج هكذا مسرحيات وتحويلها إلى عمل يمكن تمثيله أمام جمهور يريد الإثارة والضحك! وهكذا كانت خيبة أمل الحكيم كبيرة حينما مثلت مسرحية «أهل الكهف» على المسرح القومي الذي أنشئ في العام 1935 ليقوم بتمثيل المسرحيات الجادة، فقد أمر بإيقاف تمثيلها بعد أن تردد طويلاً في حضور عرضها!

وقد واجه الحكيم مشكلة اللغة وهي لم تكن عنده إشكالية في باكورة عمله إذ لجأ ـ كما يقول ـ إلى «العامية القحة» والسبب في ذلك لكتابته للمسرح دون أن تراوده فكرة أن أعماله ستقرأ، بيد أنه ما أن بدأ بكتابة المسرحيات المقروءة ـ إن جاز التعبير ـ حتى اتخذ من الفصحى لغة له، خاصة أنه بدأ بطرق موضوعات فلسفية وفكرية.

ثم بدأت المشكلة تواجهه مرة أخرى حينما بدأ بتناول القضايا الاجتماعية بالذات في «الحقبة الناصرية» ك«الصفقة» (1965) و«الطعام لكل فم» )(1963) وغيرهما فبدأ باتخاذ «لغة ثالثة» - كما يسميها - وهي تشير «إلى تجربة النزول باللغة العربية إلى أدنى مستوى لتلاصق العامية دون أن تكون هي العامية، والارتفاع بالعامية دون أن تكون هي الفصحى.« إن محاولته تلك - كما يصفها في موضع آخر - هي «تفصيح العامية» باستخدام العربية المبسطة أو ما يمكن تسميته عربية التخاطب».

وقد عاب كثير من النقاد على توفيق الحكيم تقلب مواقفه السياسية، فقد عاش في ثلاثة عهود مختلفة أيدها جميعاً وكان «مدللاً» في عهد عبد الناصر بالذات، ومع ذلك فما أن جاء السادات حتى أيده وكتب كتابه المشهور «عودة الوعي «)1947)على غرار» عودة الروح «الذي كتبه في سني شبابه في العام 1933، وفي الكتاب الأول «عودة الوعي» نقد للتجربة الناصرية بعد أن كان الحكيم يعد أحد أقطابها الفكريين.

وظني أن أي مبدع كتوفيق الحكيم يجب ألا يحكم عليه من مواقفه السياسية، أو أن لا يكون هذا الحكم هو المعيار الوحيد لمعرفة مكانته في الفن الذي أبدع فيه. وأرى أن ثمة منظوراً أوسع وأشمل يجب أن يُقّوم فيه المبدع وهو رؤيته الفكرية بعمومها، ومن هذا المنطلق فقد كانت رؤية الحكيم ديمقراطية تدعو إلى قيام دولة النظام والقانون. نجد ذلك في اهتمامه بدراسة أحوال القضاء في مصر، الذي عاش الحكيم في ظله سنوات طويلة حتى تشرب جوانبه المختلفة وتناولها بلغة نقدية. وقد فعل ذلك بحكم عمله في هذا السلك مدة طويلة، وبحكم إحساسه المرهف نحو تحقيق العدالة في المجتمع.

ومن حسن الصدف أنني اكتشفت الحكيم من هذه الزاوية، إذ كنت قبل أكثر من عقد ونيف قد قرأت «عودة الروح» و«عصفور من الشرق» و«مذكرات نائب في الأرياف» إلا أن أحد الزملاء أشار علي في الآونة الأخيرة بقراءة مسرحيته «السلطان الحائر» التي نشرها في العام 1960 فما أن بدأت بها حتى شدت انتباهي شداً لم استطع الانصراف عنها حتى أكملتها.

وفي هذه المسرحية ـ كما أعتقد ـ لب موقف توفيق الحكيم السياسي وهو الدعوة إلى حكم القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء أو الدعوة إلى أن يكون القانون فوق الجميع. وقد نشر الحكيم هذه المسرحية في «عز «حكم عبد الناصر مما يعني أنه كان يبعث برسالته هذه الصادرة من أعماق ضميره والداعية إلى قيام دولة القانون والنظام.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com