تداولت بعض الصحف العربية في الفترة الأخيرة التسابق قبل الأوان على منصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) من قبل ثلاثة مرشحين عرب. كما نشرت الجرائد أن هناك مبادرة من قبل جامعة الدول العربية لتنظيم مؤتمر بهذا الشأن من أجل التنسيق والتشاور والتفاهم من أجل ترشيح مرشح عربي واحد حتى لا تتشتت الأصوات ويحدث ما حدث في الدورة السابقة عندما ضيع العرب الفرصة على أنفسهم وفاز بالمنصب المدير العام الحالي لمنظمة اليونسكو الياباني كويدورو ماتسورا.
وهنا يتساءل المرء أين التنسيق العربي؟ وأين العمل العربي المشترك؟ ولماذا هذا التنافس الذي يفسح المجال للآخر للظفر بالمنصب؟ وهذا ما يقودنا للتساؤل عن ما هو الحضور العربي في المنظمات الدولية؟ وإلى أي مدى يُستفاد من هذه المنظمات من قبل الدول العربية لخدمة مشاريعها التنموية وبرامجها التربوية والتعليمية والثقافية والعلمية؟ وما هي المناصب العليا التي شغلها العرب في المنظمات الدولية؟
فالعرب مثلهم مثل باقي دول العالم يدفعون مبالغ مالية معتبرة لهذه المؤسسات. المناصب العليا في هذه المنظمات مفتوحة أمام الجميع بشرط توافر المؤهلات العلمية والخبرة، إضافة إلى العلاقات والعمل في الكواليس للحصول على الأصوات للفوز بالمنصب. أي أن حظوظ الحصول على المنصب تتوقف على العلاقات مع الدول العضوة في اليونسكو ومع سمعة بلد المرشح في المحافل الدولية.
تجربة العرب مع اليونسكو لم تكن في المستوى وتكللت بالفشل للحصول على منصب المدير العام. ففي سنة 1999 تقدم العرب بمرشحين لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو وكان كلا المرشحين يتمتع بسيرة ذاتية ممتازة وبسمعة كبيرة في الأوساط الثقافية والعلمية الإقليمية والدولية وكانت النتيجة فشل الاثنين في الفوز بالمنصب وفتح المجال وإعطاء الفرصة لشخصية مغمورة ثقافيا للفوز.
وعلى ما يبدو فإن التجربة ستكرر نفسها في سنة 2009 إذا لم يتفق العرب على ترشيح مرشح عربي واحد للمنصب. تجربة اليونسكو والعرب لها دلالات كثيرة ومحددة. أولها: أن فكرة العمل العربي المشترك لا وجود لها في أرض الواقع، فالعمل المشترك غير موجود أساسا وإن وجد فهو غير ديمقراطي ولا يتسم بالاحترام لجميع أعضاء المنظومة العربية. فهناك من يريد أن يقود ويهيمن ويسيطر وهناك من ينسحب جملة وتفصيلا من المشروع...الخ.
كيف نفسر الإقبال على الترشيح لنفس المنصب لمنظمة دولية من قبل ثلاث مرشحين عرب؟ أيعقل هذا في ظل منظمة تجمع العرب ومن المفروض أن تدرس وتنظم وتنسق الجهود في إطار ديمقراطي يضمن مصلحة المنظمة قبل مصلحة المرشح وبلده. والملاحظ لعلاقة العرب بالدول الإفريقية والآسيوية ودول أميركيا اللاتينية يدرك غياب استراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع هذه الدول في إطار المنظمات الدولية.
وهذا يعني أن هناك خللا كبيرا جدا فيما يتعلق بالتنسيق والعمل على الحصول على الأصوات والتأييد في المحافل الدولية للحصول على المناصب التنفيذية العليا. فعلاقة العرب بالاتحاد الإفريقي لا ترقى للمستوى الذي يجب أن تكون عليه، خاصة وهناك دول عربية فاعلة في القارة السمراء مرشحة بكل المقاييس للعب أدوار استراتيجية لبناء جسور التعاون والتناغم والتنسيق بين الدول العربية والدول الإفريقية. ما يقال عن إفريقيا يقال كذلك على أميركا اللاتينية وآسيا.
هذا ما يعني أن المنظومة العربية تعاني عزلة شبه تامة في المحافل الدولية نظرا لضعف استثمارها في العلاقات العامة والدبلوماسية العامة مع المنظومات الأخرى ونظرا لضعف العمل العربي المشترك ونظرا لغياب عمل منهجي استراتيجي للوصول إلى الآخر وكسب تأييده وصوته. هناك أزمة صورة عند العرب. ومع الأسف الشديد لا يوجد برنامج عمل أو استراتيجية لتصحيح هذه الصورة وبنائها وفق المعايير المنهجية والعلمية والدولية.
من جهة أخرى نلاحظ أن الوضع قد تأزم أكثر فأكثر بعد انهيار القطبية الثنائية وظهور النظام الدولي الجديد والعولمة، الأمر الذي أثر سلبا على منظمات إقليمية وتجمعات وحركات دولية كحركة عدم الانحياز ومجموعة الـ 77... الخ. ظاهرة الإرهاب وإعلان الحرب عليه من قبل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 جعلت العرب في موقع ضعيف جدا وكأنهم هم المسؤولين عن الأزمات والنكبات التي تحدث في العالم. فصورة العرب هذه الأيام ليست في أحسن أحوالها وهناك مشكلات عديدة فيما يتعلق بالحوار مع الآخر والتواصل مع الحضارات والثقافات الأخرى.
فالصور النمطية التي تسيء إلى العرب تنتشر في وسائل الإعلام العالمية وفي الصناعات الثقافية المختلفة مما أفرز رأيا عاما معاديا للعرب في العديد من بلدان العالم. ففي الأوساط السياسية العالمية وفي المحافل الدولية يعاني العرب من تشويه وتضليل وصور نمطية تسيء كثيرا للتفاهم والحوار وبناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل.
فالحصول على المناصب العليا في المنظمات الدولية لا يتوقف على شخصية المرشح وسيرته الذاتية وشهاداته العلمية وخبراته فقط، بل هناك أمور أخرى أكثر أهمية تجري في الكواليس وفي الكتل المختلفة من أجل الحصول على الأصوات. ففي الاستحقاقات الأخيرة لمنصب المدير العام لليونسكو كانت السيرة الذاتية للمرشحين العربيين أحسن بكثير من المرشح الياباني كما كانت لديهم سمعة أحسن في المحافل الثقافية والفنية العالمية. لكن السياسة قررت أن المنصب يجب أن يعود للياباني وليس لأحد المرشحين العرب.
وهنا نلاحظ أن المجموعة العربية تنقصها الحنكة والتجربة والعمل في الكواليس حيث إنها لم تعرف كيف تلعب ورقة الحصول على الأصدقاء والحلفاء كما أنها تعاني عزلة داخلية وهي الانقسام القاتل الموجود بين أعضاء المجموعة نفسها.
وما يعاب على المجموعة العربية هي أنها تركز على أوروبا وأميركا وتتجاهل القوى الأخرى في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا. لدول هذه القارات الثلاث سواء كانت فقيرة أم غنية أصوات في استحقاقات وانتخابات المنظمات الدولية وهذه الأصوات هي التي تحسم نتائج الانتخابات في نهاية المطاف.
فالمعركة على منصب المدير العام لليونسكو بدأت مبكرا بالنسبة للعرب، لكن بدون تخطيط ولا استراتيجية ولا تشاور بين دول المنظومة العربية. والحصيلة ستكون التشتت وضياع الأصوات وإعطاء الفرصة للمرشحين الآخرين للحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات والفوز بالمنصب.
تجربة 1999 ما زالت عالقة في الأذهان والخاسر الكبير كان العرب لأن عدم التنسيق والتنظيم سيؤدي إلى إضعاف الفرص للفوز. فهل سيتعلم العرب الدرس؟ وهل سيضعون استراتيجية للتنسيق والعمل المشترك مع التكتلات والمنظومات المختلفة للحصول على مناصب وللحصول على مقابل عندما يعطون أصواتهم للآخرين.
فالمؤتمر العام لليونسكو ومجلسها التنفيذي يتكون من أكثر من 200 دولة وبذلك يجب الاهتمام بكل هذه الدول إذا أراد العرب المناصب التنفيذية العليا. الإشكال الآخر الذي يطرح بخصوص منصب المدير العام لليونسكو هو الفضاء الثقافي والفني والفكري والعلمي العالمي وخصوصيته، والمقصود هنا هو ضرورة الاعتماد على النخبة المثقفة العربية في محاورة المثقفين في العالم ومحاورة الآخر للوصول إلى أصوات الدول الأعضاء والمصوتة في اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية.
المشكلة بالنسبة للعرب تتمثل في أزمة المثقف العربي وفي الفجوة الكبيرة بين المثقف والسلطة وفي تهميش وإقصاء المثقف العربي من عملية صناعة القرار، ففاقد الشيء لا يعطيه.
كلية الاتصال، جامعة الشارقة