الآن، وبعد أن انتهت محنة مخيم نهر البارد بانتهاء وجود التنظيم العسكري الخارجي الذي سيطر على المخيم لفترة من الزمن، تبدأ مرحلة جديدة بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين من أبناء المخيم الذين دفعوا الثمن الباهظ جراء ما وقع على امتداد الفترة الماضية الممتدة منذ لحظة دخول التنظيم العسكري الخارجي بعنوانه ويافطته المعروفة، وتمركزه بين المدنيين الفلسطينيين إلى اللحظة التي انقشعت فيها سحب الدخان من سماء المخيم.
وقد تكون المرحلة التالية في حياة المواطنين من اللاجئين الفلسطينيين من أبناء المخيم، والمتواجدين في غالبيتهم على تخوم نهر البارد وفي مخيم البداوي أكثر قساوة من المرحلة الماضية، فقد أضحوا في الواقع العملي تحت السماء، دون مسكن أمن، ودون استقرار، ولو في حده الأدنى الذي يليق بأبناء البشر والناس.
وما فاقم من الوجع الشعبي الفلسطيني هذا النسيان والتناسي الذي طال أبناء نهر البارد طوال الفترة الماضية، اللهم سوى التفاتات من هنا وهناك على يد المؤسسات الإنسانية اللبنانية والفلسطينية فضلاً عن وكالة الأونروا التي لعبت دوراً كان هو الأبرز في رعاية سكان وأهالي مخيم نهر البارد في محنتهم.
وما ضاعف من حدة الأمور أن تأتي الإطلالة الجديدة للعام الدراسي وقد بات إلى الآن غالبية طلاب وتلاميذ مدارس وكالة الأونروا من أبناء مخيم نهر البارد بعيدين عن مقاعد الدراسة ينتظرون الفرج القادم، ومعهم تلاميذ وطلاب مخيم البداوي الذين غدت مدارسهم منازل سكن وإقامة لسكان مخيم نهر البارد إلى حين بات مداه غير معروف.
ومع هذا، فإن أفق الأمل يبقى هو السائد لدى اللاجئين الفلسطينيين الذين رمت بهم عثرات الأقدار من نكبة إلى نكبة ومن كارثة إلى كارثة. فقبل ثلاثة عقود من الزمن مسحت العديد من المخيمات الفلسطينية في لبنان من الوجود وتم بعثرة وتشريد سكانها داخل لبنان وفي أقاصي المهاجر القسرية البعيدة في الدول الاسكندنافيه واستراليا، هذا ما حدث مع سكان وأهالي مخيم النبطية الذي مسحته الطائرات الإسرائيلية بغاراتها المتواصلة طوال العام 1974.
وهو ما حصل أيضاً مع مخيمي ضبية وجسر الباشا، وهما مخيمان فلسطينيان بجوار بيروت الشرقية كان يقطنهما عدة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين المسيحيين على وجه التحديد، وقد تم مسحهما من الوجود في سياق الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 وقد تشرد أهالي المخيمين وباتت غالبتهم لاجئين في أصقاع ودياسبورا المعمورة، والأمر ذاته تكرر مع مخيم تل الزعتر في أغسطس 1976 .
حيث مسح المخيم عن بكرة أبيه على يد القوى الفاشية الانعزالية آنذاك وهي نفسها القوى التي مسحت وأزالت مخيمي ضبية وجسر الباشا من الوجود. كان ذلك في الماضي القريب نسبياً، ولكن في الوقائع الراهنة نتمنى أن تكون حظوظ مخيم نهر البارد مخالفة تماماً لحظوظ ما جرى مع غيره من التجمعات الفلسطينية فوق الأرض اللبنانية، خصوصاً وأن الفلسطينيين «لأناقة لهم ولأجمل» في كل ما حدث من تطورات وقعت كانت على علاقة أكيدة بعوامل خارجية.
وعليه، فان ترحيباً فلسطينياً يتأتى الآن بعد كلمة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، الذي تعهد أمام الرأي العام اللبناني والعربي بالعمل الجاد والسريع من أجل إعادة بناء المخيم، وإعادة أبنائه إليه في رحلة لجوئهم القسرية المؤقتة إلى لبنان وعلى طريق عودتهم إلى الوطن الفلسطيني، ولكن الترحيب يبقى ترحيباً ويزول مفعوله فوراً حال بقي الكلام عن إعادة إعمار المخيم كلاماً دون فعل ملموس.
إن مأساة مخيم نهر البارد، ودروس المحنة التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون كما تعرض لها لبنان بجيشه وشعبه، تفترض بالضرورة إعادة النظر بمسألة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية بعد أن باتت منذ فترة طويلة علاقات غير منظمة وتفتقد للوجود أصلاً.
فقد بقي أمام قيادة لبنان وقوى الشارع العتيدة من موالاة ومعارضة على حد سواء، أن تلتفت قليلاً من أجل تفعيل العمل المشترك مع الجانب الفلسطيني وحل مسائل التباين بما فيها مسألة الأمن داخل المخيمات وضرورة قيام الشرعية اللبنانية بأخذ دورها المطلوب في التعامل مع التجمعات الفلسطينية كما هو حال أي بقعة لبنانية وتوفير الأمن المجتمعي للجميع، كما عليها أن تلتفت قليلاً لتنظر بعينيها مدى الظلم والإجحاف الذي لحق ومازال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة.
وبقي عليها أيضاً أن تعلي الصوت ممزوجاً بشيء من العاطفة الإنسانية قبل أن نقول القومية المشتركة من أجل حل القضايا المعلقة التي استعصت منذ سنوات طويلة دون أن تجد لها نصيراً فاعلاً وقادراً على طرحها وحملها في الشارع اللبناني وعلى المستوى الرسمي، خصوصاً منها المسائل المتعلقة بالحرمان من أبسط الحقوق في العمل والتنقل وانتشال المخيمات والتجمعات الفلسطينية من حالة الغرق في البؤس الذي رافق نشوئها، ومن القهر الذي أمسى من سماتها الغالبة.
كاتب فلسطيني ـ دمشق