هل الصراعات الفلسطينية ـ الفلسطينية تندفع باتجاه الدخول في اللامقبول واللامعقول؟ هل هي تتجه نحو كسر كل الخطوط الحمراء والمحرمات جميعها، وتسخيرها لتسجيل مكاسب سياسية؛ هي واهية وواهمة في آخر المطاف؟
إن إقحام صلاة الجمعة في المواجهة المحتدمة بين فتح وحماس سابقة تنطوي على دلالات بالغة الخطورة؛ ليس أقلها أن الصراع بين الطرفين بات محكوماً بمنطق التناحر الانتحاري. إذا لم يكن بمنطق الجنون. وإلا كيف يمكن تفسير تحويل المقدسات إلى ميدان لتصفية حسابات وترجيح كفة الحضور والنفوذ، في ساحة غزة اليوم؛ وربما في غيرها غداً؟.
دعت «فتح» أنصارها في غزة، إلى تأدية صلاة اليوم ـ الجمعة ـ في الساحات والميادين العامة هناك. تقول إن دعوتها هذه حق وواجب، أجاز قاضي قضاة فلسطين الصلاة في هذه الأمكنة. حكومة حماس، في غزة، أصدرت قراراً «بحظر الصلوات السياسية» في الساحات العامة. حيثياتها أن صلاة كهذه «تجاوزت هدفها واستغلت من أجل الفوضى والفتنة وأعمال الشغب..».
وهددت باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز الأمن والنظام العام، في القطاع». لتعزيز هذا الموقف استصدرت حماس فتوى تحرم إقامة الصلوات في الساحات العامة» نشأ هذا التصعيد في الموقف على خلفية ما حصل، إثر صلاة الجمعة، قبل حوالي أسبوعين، حيث وقعت أعمال عنف واشتباكات؛ بين جماعات الفصيلين. يومذاك بقيت الأمور في إطار المناوشات.
أما اليوم فهناك تخوف حقيقي من احتمال وقوع مواجهات دموية بين الجانبين. منسوب التوتر غير مسبوق. حالة الاحتقان بلغت هي الأخرى حدود الانفجار؛ فضلا عن أن الأجواء مهيأة لإشعال الفتيل؛ بعد أن وصل خطاب التحدي إلى نقطة اللا رجوع وبدا كأنه قطع الطريق على خط الرجعة.
أصلاً أن تصل الأمور إلى هذا الحد ومن خلال الزج بالصلاة ومكانها لتكون المدخل لاستعراض القوة؛ يعني أن الصراع خرج عن كافة الضوابط والمحاذير وأنه صار في حالة انفلات كامل؛ مع كل ما يعكسه ذلك من خلل وشطط فادحين؛ في الوضع الفلسطيني. بل من إصرار على نسف كافة الجسور أمام إمكانية ـ بل ضرورة ـ الحوار لحلّ الخلافات أو على الأقل للعثور على صيغة تفاهم تعفي الساحة الفلسطينية النازفة من المزيد من النزف.
إن توسل مناسبة دينية وتسييسها بهذا الشكل، لتحقيق أغراض ونتائج معينة على الأرض، يعزز وضع وثقل هذا الفريق أو ذاك؛ ليس أقل من عبثية مفلسة بل ليس أقل من إساءة جارحة للشعب الفلسطيني وقضيته. وقبل كل شيء للمناسبة الروحية التي لا يجوز توظيف رمزيتها ومعانيها السامية في صراعات نفوذ صغيرة؛ وقد تكون دموية تتناقض تماما مع لحظة التقوى وجوهرها وطقوسها.
النهش الفلسطيني للذات، ذهب بعيداً في الآونة الأخيرة، نزفه بات غزيراً وخسائره هائلة. يكفيه ما فيه. وإذا كانت صلاة الجمعة طوال تلك الفترة لم تتحول إلى جسر تواصل وتصالح؛ فعلى الأقل لا يجوز تحويلها إلى جسر عبور إلى فتنة قاتلة. لقد حان الوقت لكي يعود الوضع الفلسطيني إلى جادة الصواب.
