الأمن القومي العربي تتصل حلقاته من أمن الخليج إلى أمن البحر الأحمر إلى الأمن المتوسطي، ودون رؤية عربية شاملة لهذا الأمن ودور عربي لكل جزء فيه، ودون تكامل في الحلقات الثلاث فإن الرؤية تصبح غائبة أو ناقصة، والأمن يبدو مخترقاً أو مهدداً.

والأمن القومي العربي ليس عسكرياً فقط ولكنه في الأساس سياسي واقتصادي واجتماعي، باعتبار أن الأمن السياسي هو الذي يفتح الطريق للأمن العسكري، وأن الأمن الاقتصادي هو الذي يفتح الطريق للأمن الاجتماعي والسياسي معاً.

فلقد أحسن وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماع في الرياض قبل يومين في بلورة رؤية خليجية واضحة في عدد من القضايا الأساسية أهمها ما يتصل بالثوابت لمتطلبات الأمن العربي خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة مع الجوار الإقليمي، أو ما يتعلق بالمتغيرات إزاء القضايا الأساسية خاصة ما يتصل بمتطلبات حل الصراع العربي الصهيوني.

وفيما يتصل بالمتغيرات فقد حدد البيان في جملة واضحة شروط نجاح مؤتمر الخريف المقترح للسلام بشرطين أساسيين: الأول.. أن يتعامل المؤتمر مع جميع الأطراف والملفات والقضايا والمسارات على جميع جبهات الصراع.

والثاني.. أن يدخل مباشرة في وضع إطار وآلية حل قضايا الوضع النهائي في فلسطين وفق جدول زمني لإنهاء الصراع بمرجعية أساسية هي مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق والقرارات الدولية ذات الصلة، وهو ما يشكل أساساً واضحاً لموقف عربي شامل يصدر عن وزراء الخارجية العرب.

وفيما يتعلق بمتطلبات الأمن الخليجي كحلقة أساسية للأمن العربي، أجمعت دول مجلس التعاون على ضرورة تجنيب المنطقة نشوب أية مواجهات عسكرية بسبب الأزمة النووية بين إيران والغرب، في الوقت الذي دعا فيه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ببدء حوار عربي ـ إيراني من أجل وحدة واستقلال وسلام العراق، وهاتان المسألتان هما مصدر التهديد الأساسي لأمن الخليج.

كما تجاوبت دول مجلس التعاون إيجابياً مع الدعوة الإيرانية لإنشاء منطقة للتجارة الخليجية الحرة، في الوقت الذي دعت فيه إيران إلى التجاوب الإيجابي مع الدعوة الإماراتية بحل مسألة الجزر الثلاث بالتفاوض المباشر أو بالتحكيم الدولي.

وسواء أستطاع الجانب العربي والجانب الإيراني على ضفتي الخليج تعزيز الثقة المتبادلة بحل العقبة السياسية المتعلقة بالجزر أولاً وصولاً إلى إزالة ما يعرقل علاقات تعاون اقتصادي واجتماعي أوثق، أو بما يتعلق بتعزيز المصالح المتبادلة من البوابة الاقتصادية وصولاً إلى علاقات أوثق تتيح حل ما هو سياسي وتحقيق ما هو أمني لكلا الطرفين.

فإن ذلك في الحالتين يشكل قاعدة لما يمكن البناء عليه مستقبلاً لرؤية إقليمية متوافق عليها للأمن الخليجي العربي والإيراني معا، ليتحول الخليج إلى بحيرة سلام وتعاون بين ضفتيه.

القضية الفلسطينية طالما بقيت بغير حل عادل وشامل تمثل الحلقة المحورية وتمثل إسرائيل مصدر التهديد الرئيسي للأمن القومي العربي.

والقضية العراقية طالما بقي الاحتلال الأميركي غير المشروع إلى جانب التوترات الإقليمية والمواجهات الدولية والأساطيل العسكرية الأجنبية تشكل تهديداً للأمن القومي العربي لهذا فإن الحاجة إلى حل التوترات الإقليمية وإبعاد شبح المواجهات الدولية فيه هو سير في الاتجاه الصحيح لتوفير السلام وتأمين الاستقرار في هذا الجزء الحيوي من الأمة العربية وفي هذا الجزء الحساس من العالم.

إن حلقات الأمن العربي المترابطة تؤثر وتتأثر كل منها بالأخرى بحيث أن سلام واستقرار الخليج يؤثر إيجابياً في سلام واستقرار البحر الأحمر لاتصال الخليج بالجزيرة العربية واتصال الخليج بالصراع العربي الصهيوني.

وإن غياب السلام والاستقرار في فلسطين بسبب العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركياً يؤثر سلبياً على أمن واستقرار كل الحلقات سواء أمن الخليج وأمن البحر الأحمر أو المتوسط.

من هنا يكون تأمين سلام واستقرار أية حلقة فيه مدخلاً لسلام واستقرار الحلقات الأخرى للأمن العربي الشامل.

وفي النهاية فإن تحقيق الأمن للجميع هي مسؤولية كل الأجزاء وكل الأطراف العربية والإقليمية والدولية، ولا بديل للأمن العربي عن الأمن الإقليمي بترابط وثيق مع دول الجوار خاصة إيران وتركيا وباكستان، ضماناً لأمن الخليج، ومع الإتحاد الأفريقي ضماناً لأمن البحر الأحمر، ومع الإتحاد الأوروبي ضماناً لأمن البحر المتوسط.. ولكن ذلك كله مرهون بالتوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية والقضية العراقية وهي القضايا الأساسية لكل العرب.

mamdoh77t@hotmail.com