الفتى القبطي الذي تسابق مع ابن والي مصر، ولما سبقه ضربه ابن الوالي بسوطه، هذه القصة أشهر من أن تعاد روايتها بتفاصيلها، ولكن المثير للدهشة فيها هو كمية الثقة التي ملأت جوانح الفتى القبطي في أن يستشعر قوة الحق التي ستوازن كفتي ميزان العدل الذي كان يبحث عنه، وعمق اليقين في مصداقية المبادئ التي تتبناها حكومته التي يستفيء تحت ظلها.
ومقدار الطمأنينة التي جعلته يطير بمظلمته إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب دون أن يحول بينه وبينه لا حاجب مرتش ولا باب موصد، وحجم الأمان الذي بث الشجاعة في قلبه والقوة في جسده وهو يهوي بالسوط على ظهر ابن الوالي ليقتص منه أمام بصر أبيه، ولا يكتفي عمر بذلك، بل يقول للفتى لما فرغ من القصاص: الآن أدرها على صلعة عمرو.
عند النظر إلى هذه الواقعة بشكل تجريدي، يتكشف لنا وجهها السياسي والاجتماعي، فأحد طرفيها مواطن يعتنق دينا غير الدين الرسمي للدولة، ويتعرض للإيذاء الجسدي والمعنوي من مواطن آخر يدين بدين الدولة، وعندما يتظلم إلى أعلى سلطة على الهيكل التنظيمي للحكومة، فإن هذه السلطة ورغم أنها تستمد تشريعاتها ومبادئها القضائية من النصوص الدينية، إلا أنها لا تتخذ من الدين معيارا يقاس عليه استحقاق الحق المدني (الدنيوي) أو إسقاطه.
كما أنها لا تجعل الدين معيارا للاستعلاء بحيث يبيح اعتداء بعضهم، وبغض النظر أيضا عن مستواهم الاجتماعي أو مركزهم السياسي، على حقوق البعض الآخر (أقلية كانوا أم أغلبية)، وسواء أكان ذلك الحق مالا أو عرضا أو دما أو سمعة، بل يخضع المواطنون لميزان العدل حتى يؤخذ القصاص من المسلم (الجاني) لصالح غير المسلم (المجني عليه).
ونحن في مطلع الألفية الثالثة، ومنتهى أرب الحضارة البشرية، وغاية ما استحصل عليه الإنسان من الحقوق كما يزعم دهاقنة تلك الحضارة، ألا يزال العالم يخادع نفسه ويتوهم أنه بلغ معشار تلك الأخلاقيات المهنية للحكم والقضاء بعد انقضاء نحو من 1400 سنة على تلك الواقعة؟ حتى نتحقق من ذلك، سنقوم بعملية إسقاط افتراضية لهذه الواقعة على أوضاع عصرنا الراهنة، وبذلك فإننا سنخرج بثلاث فرضيات:
الأولى، تتكرر فيها قصة الفتى القبطي بحذافيرها، فيقدم مواطن مسلم في دولة إسلامية ما على إيذاء مواطن مسيحي، فيقوم هذا الأخير بالتظلم أمام رئيس الدولة أو الحاكم أيا كانت صفته، أو أمام السلطات القضائية بلغة العصر، ترى ما هو رد الفعل المتوقع؟
هذه الفرضية تحتمل أحد احتمالين: الأول، أن ترتعد فرائص السلطات القضائية رعبا من النفوذ المسيحي الأميركي، لأن القضية قد تتفاقم بأكثر من ذريعة لتتحول إلى أزمة عالمية ومقاطعة دولية تأخذ أميركا بزمامها.
وأيضا تجنبا للموجات الإعلامية العارمة للإعلام الغربي ضد كل ما هو إسلامي، فلا تجد تلك السلطات بدّا من القفز على مرجعياتها التشريعية والقانونية لتصل إلى منطقة المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية، ليكتشف المواطن المسلم في مسقط رأسه أنه لا يعدو كونه مواطنا من الدرجة العاشرة في مواجهة ذلك المسيحي، وأن السلطات القضائية قد تغيرت مهمتها لتصبح حماية أدوات المستعمر وليس الدفاع عن الحقوق.
وهنا سيبوء المسلم بأسوأ ما يستحق من العقوبة على تجرؤه بالاستطالة على أسياده الذين يملكون كل الحق في أن يحتكروا وحدهم العيش في سلام، بل قد يجري تسليمه لهم ليعاقبوه بما يشفي غليلهم، وإلا فكيف يتسنى لهم الاستمتاع بنشوة استعمارهم إذا لم يمارسوا حق استعباد الناس وانتهاك حقوقهم واغتصاب بلادهم وسلب خيراتهم؟.
الاحتمال الثاني، أن تتمتع تلك الدولة بهامش أكبر من الاستقلالية، وهنا ستفسر السلطات القضائية أحكام مرجعياتها التشريعية والقانونية وهي تحت تأثير الرغبة في الانتقام، أو تغليب مبدأ معاملة الطرف الآخر بالمثل، فحيث يعامل المسلمون في البلاد المسيحية معاملة المواطنين من الدرجة العاشرة ولو كانوا يحملون جنسية تلك الدولة.
وقد يعاقبهم القانون على أتفه التهم بأقسى مما يستحقون أو بحرمانهم من حقوقهم، وفي هذه الحالة فإنه إما أن يتحول المواطن المسيحي إلى مذنب، أو أن يجرد من جنسيته، أو أن يغلق ملف القضية بتنازله عن تظلمه في أحسن الظروف.
الفرضية الثانية، تتكرر فيها القصة مع تبادل الأدوار، وهنا يعتدي مواطن مسيحي (أميركي مثلا) في إحدى الدول الإسلامية المتحالفة مع (المستعمرة من) الإمبراطورية الأميركية على مواطن مسلم (بحكم التبعية)، فيلجأ هذا الأخير إلى البيت الأبيض في واشنطن يقرع أبوابه طلبا للحق، فيخرج له جورج دبليو بوش ليرى هذا القارع ذا اللحية المعفاة والثوب القصير فيرفع له مظلمته.
وحتى لا يشطح بنا الخيال بعيدا، سنقول إنه رفع قضيته إلى السلطات القضائية في إحدى الولايات الأميركية، ترى ما هو رد الفعل المتوقع؟ لا شك في أن تلك السلطات القضائية ستطبق القانون، ولكنه قانون من نوع خاص، لأنه يحدد الحقوق والعقوبات بين العبيد في مواجهة الأسياد بطريقة تراعي الفروقات بين الفوق حيث تتربع الصفوة والنخبة، وبين التحت .
حيث يرزح الرعاع والهمج، وبمقتضاه فإما أن يتنازل المواطن المسلم عن القضية في أحسن الظروف ليغلق ملفها ويهدر حقه، وإما أن ينال أدنى درجات الحق أو تعويض مالي (أشبه ما يكون برشوة) يعادل حق حمار أسرف صاحبه في ضربه، كما حدث مع الجنود الأميركيين الذين عذبوا العراقيين في السجون أو الذين اغتصبوا نساءهم ثم قتلوهم جميعا، فلم يعاقب أحد من الجنود ولم يقتل منهم أحد، ولم يقل بوش لأي من أولياء دم القتلى العراقيين: الآن أدرها على فروة رامسفيلد.
في الفرضية الثالثة، تدور أحداث القصة بملابسات مغايرة، إذ يقدم هنا مسيحي (مواطن بحكم التحالف) في إحدى الدول الإسلامية على إيذاء مواطن مسلم، فيقوم هذا الأخير بالتظلم أمام السلطات القضائية، ترى ما هو رد الفعل المتوقع؟ هذه الفرضية لا تحتمل إلا أن يتدخل حكام الدول المسيحية ورؤساء وزاراتها وسفراؤها شخصيا ورسميا.
كما سيتدخل الأمين العام للاتحاد الأوروبي، ثم سيصل الأمر بأسرع من لمح البصر إلى أروقة الأمم المتحدة، وسيطلب هذا الحشد من السلطات السياسية والقضائية في تلك الدولة الإسلامية بدعوى حقوق الإنسان الباطلة أن تتحايل على مرجعياتها التشريعية والقانونية.
وأن تخلع في حركة بهلوانية رداء سيادتها واستقلاليتها لتحكم ببراءة المسيحي لأنه لا يجوز أن يؤاخذ مسيحي غربي على أي جريرة يرتكبها ضد مسلم شرقي، أو بالمفهوم الضمني لا يجوز أن يؤاخذ متحضر على أي جريرة يرتكبها ضد بربري متخلف، وبناء على هذه القاعدة سيصدر حكم متخم بالزور والبهتان، كما ذهبت أرواح الأطفال الليبيين (البرابرة) وصحة أبدانهم فداء أو ثمنا بخسا لإهمال أو ربما سبق إصرار وتعمد الممرضات البلغاريات (المتحضرات).
وبهذه النتائج المخجلة، ستبقى قصة الفتى القبطي علامة فارقة لا نظير لها في كل الحضارات التي تعاقبت على الأرض، وشاهدا عجزت عوامل التعرية عن إخفاء شيء من معالمه، وموقفا تألقت فيه آدمية الإنسان وحقه في إنسانيته. إنها وكثير غيرها من المواقف تستدعي نفسها بإلحاح من أحشاء التاريخ كلما خانتنا ذاكرتنا، وكلما جُرنا نحن والزمن على أمتنا وعلى موروثنا الحضاري.
وأعتقد أن الظروف السياسية والعسكرية والعولمية الراهنة التي يغص بها حلق العالم قد آلت إلى إجراء الكثير من المراجعات الإيديولوجية للكثير من قضايا حقوق الإنسان لدرجة الضرورة القصوى، وأن الإسلام هو وحده بلا منازع من يملك الحق التاريخي والإرث الأخلاقي الذي يؤهله لصياغة ميثاق عالمي لتلك الحقوق، وليس مبادئ الثورة الفرنسية ولا مواثيق الحرب الأهلية الأميركية التي دوّنت بحبر الصهيونية.
كاتب إماراتي