وسط ما بدا اتجاهاً تصادمياً بين الأكثرية أو ما يعرف بالموالاة والمعارضة التي تقودها حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر، طرح رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، مبادرة سياسية جديدة قبل أيام تتلخص بتنازل المعارضة عن مطلب تأليف «حكومة وحدة وطنية» ـ التي كانت تصر عليها قبل انتخاب رئيس جديد للبنان ـ إذا تم التوافق مع الأكثرية على إجراء الانتخابات الرئاسية بنصاب الثلثين.

وتعهد الرئيس بري بإطلاق تشاور موحد في المجلس النيابي توصلاً إلى الاتفاق على اسم الرئيس العتيد، كما تعهد بفك الاعتصام الذي تقيمه المعارضة في وسط بيروت منذ الأول من ديسمبر الماضي.

وهذه المبادرة تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة كثيراً من الأحداث السريعة والمهمة لاسيما في فلسطين والعراق والسودان بينما يستمر الخلاف السياسي الحاد والشرس بين الأطراف اللبنانية الذي يهدد بنسف الوحدة الوطنية والذهاب بمستقبل لبنان وشعبه إلى مجهول مليء بالمخاطر وسيناريوهات لا تستثني تقسيم لبنان إلى كانتونات مهترئة، وهذا ليس بمستبعد بعد أن تطرق إليه بعض الساسة اللبنانيين والأجانب.

إنه الشعور بالمسؤولية الوطنية التي تملأ قلب رئيس المجلس النيابي ووجدانه وفكره القومي عندما يطرح مبادرة باسم كل أطراف المعارضة تقوم على الاقتراب كثيراً باتجاه الإخوة في أطراف الموالاة. إنه ليس تنازلاً سياسياً بمعناه الحرفي للكلمة ولكنه تنازل بمعناه الوطني من أجل حماية وطن الجميع وليس وطن البعض.

لا شك أن الرئيس بري يدرك تماماً أبعاد الخلافات السياسية في لبنان وتداعياتها على الشعب اللبناني وعلى المنطقة بأسرها لأنه قبل كل شيء يدرك مشاريع الإدارة الأميركية وإسرائيل في المنطقة.

وقد لا يخفي على أحد داخل لبنان أو خارجه حجم التدخل الأميركي بالشأن السياسي والأمني للبنان والدور الذي تلعبه واشنطن لمنع الأطراف اللبنانية من الوصول إلى حل سلمي لجميع القضايا العالقة على أساس التوافق الوطني، فالإدارة الأميركية في طريقها إلى ما يسمى «مؤتمر الخريف للسلام» الذي دعا إليه الرئيس بوش وهي تعمل على امتصاص مبادرة السلام العربية التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

كما أنها تستعد للذهاب بالمنطقة إلى حرب جديدة ضد إيران بدلاً من التسوية، وتراهن على توسيع الشرخ في العلاقات العربية ـ العربية، والعربية ـ الإيرانية من أجل جعل ضرب سوريا والمقاومة في لبنان أمراً مقبولاً باعتبارهما متمردين على القرار العربي وأنهما تعملان على إفشال مبادرة السلام العربية وبالتالي دفع ثمن هزيمة إسرائيل في حرب صيف العام 2006.

في هذا السياق، وضح الرئيس بري في خطابه الأخير قبل أيام «أن الأمور تتدافع من أجل إعادة إنتاج الوقائع وتحويل وجهة الصراع من عربي ـ إسرائيلي إلى صراع عربي ـ فارسي على خلفية محاولة إطلاق مارد الفتنة السنية ـ الشيعية، من جهة، وإيجاد خلاف عربي ـ عربي، من جهة ثانية».

وقد شدد أيضاً على العلاقة الوطيدة لما يجري في لبنان داخلياً وأهمية ترسيخ السلم الأهلي فيه بإعادة صياغة العلاقات العربية ـ العربية، وتحديداً السورية ـ السعودية ومن ثم العلاقات السورية ـ السعودية ـ المصرية لأنها شكلت وتشكل المثلث العربي المتماسك الضروري.

من هذا المنطلق رأى الرئيس بري أنه بالرغم من السلبية التي تسود بعض العلاقات الرسمية العربية، ورغم أجواء القلق التي تحكم أو تتحكم ببعض العلاقات العربية ـ الإيرانية، إلا أن حكمة الزعماء والقادة في المملكة العربية السعودية وسوريا ومصر وإيران ستمكن الجميع من رسم خارطة طريق لإعادة تصحيح العلاقات المشتركة وتطويرها بشكل إيجابي.

بذلك ربط الرئيس بري بشكل مباشر بين الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان بالأوضاع السياسية في المنطقة وخاصة تلك المرتبطة بالعلاقات العربية - العربية التي عندما تتوطد وتترسخ على أسس سليمة وصحية تؤثر إيجاباً على التطورات السياسية على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، وهذا ما أثبتته التجارب خلال العقود المنصرمة.

يقف اللبنانيون بكل أطيافهم السياسية وانتماءاتهم الطائفية والمذهبية أمام مسؤولية كبرى تتلخص بتطبيق النص والروح للدستور اللبناني من أجل انتخاب رئيس جديد لكل الشعب اللبناني. إنه الرئيس الذي إذا حاز على تصويت الثلثين فإنه سيكون رئيساً توافقياً صنع في لبنان من أجل توفير الفرصة الحقيقية لإخراج لبنان من المأزق السياسي الراهن.

وهنا لا بد من التشديد على أن الدستور اللبناني بخصوص انتخاب رئيس للجمهورية ينص على: «ينتخب رئيس الجمهورية بغالبية الثلثين من أعضاء مجلس النواب في الدورة الأولى. ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي».

لذلك إذا وجد الماء بطل التيمم، ولأن الدستور واضح وجلي في مسألة لا يجوز لها أن تصبح أو تستمر كخلاف حاد بين أبناء الوطن الواحد، فالأجدر أن لا تطلب بعض الأطراف في لبنان بانتخاب الرئيس في الدورة الأولى بالأكثرية المطلقة أي بـ 65 نائباً، وتصر على ذلك.

المؤكد حتى الآن أن غالبية الشعب اللبناني تريد رئيساً توافقياً ترضى عنه كل الأطراف لأن البديل عن ذلك سيكون بالطبع رئيساً للجمهورية ولكنه سينظر إليه كرئيس فرض على الشعب اللبناني من قبل الإدارة الأميركية ومن قبل النظام الحاكم الذي ارتضى لنفسه أن يتهم بكونه إدارة وواجهة للمشروع الأميركي، ولن يكون بمقدوره أن يحكم كل اللبنانيين لأنه لم يحظ بقبول غالبية الشعب اللبناني.

ولماذا تقبل الموالاة بمثل هذا الأمر بينما عارضت هي حكم الرئيس الحالي اميل لحود على قاعدة أنه لم ينتخب بشكل دستوري وأنه فرض عليها من قبل أطراف خارجية، وتحديداً سوريا، وطالبته بالتنحي والاستقالة منذ أكثر من عامين.

الأمل الأخير يبقى في المبادرة التي طرحها الرئيس بري والتي إذا قبلها الجميع ستشكل خطوة نوعية باتجاه الحل والتسوية على أساس التوافق الوطني والمصير المشترك وأن الرئيس اللبناني الجديد الآتي عبر الأطر الدستورية سيحكم كل لبنان الجغرافي والديمغرافي دونما تمزيق وتفريق وتهديد.

إنها الفرصة التي قد تكون الأخيرة في الوقت الضائع للعبة السياسية التي سيثبت التاريخ أنها كانت أكبر بكثير من حجم اللاعبين السياسيين في لبنان.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com