«معاداة السامية» نغمة قديمة، تمّ استخدامها وبنجاح، كسلاح لاسكات أصوات النقد لإسرائيل وعزل أصحابها؛ ليكونوا عبرة لغيرهم. تل أبيب وأنصارها وأبواقها، لعبوا هذه الورقة، خاصة في الغرب، لحجب تجاوزات الكيان الصهيوني وإبعادها عن الأضواء؛ كما لحماية الانحياز الفاقع الذي تمارسه دوائر عديدة نافذة، على رأسها الكونغرس الأميركي؛ لمصلحة إسرائيل.
الحديث بهذه اللغة من الممنوعات، والا هبّت القوى واللوبيات الإسرائيلية، لتشهر، بوجه من يتجرأ به، هذا السلاح ولتضعه في عداد المنبوذين. البعض دفع الثمن؛ كما حصل لعدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين. تهمة مسيئة ومكلفة أحياناً. الماكينة الدعائية والإعلامية التي تملكها هذه القوى، نجحت في توظيف هذه الوصمة كأداة ردع. تمكّنت من مساواة أية إدانة لإسرائيل، بالموقف العنصري ضد اليهود.
في الأيام الأخيرة عادوا إلى اللعب على هذه المعزوفة. هذه المرة ضد الأوروبيين. الاتحاد الأوروبي في بروكسل استضاف «المؤتمر الدولي للمجتمع المدني من أجل دعم السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي»؛ الذي ترعاه الأمم المتحدة. الذين تعاقبوا على الكلام، خلال يومي المؤتمر، تناولوا الأوضاع القائمة في الأراضي الفلسطينية.
وكان من الطبيعي أن يتوقفوا عندما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي من «انتهاكات لحقوق الإنسان» الفلسطيني؛ ومن عمليات المطاردة و«الاغتيال «للقيادات الفلسطينية».
كما حرص عدد من المتحدثين على ربط ما يحصل من عنف «بالاحتلال كسبب له». وحتى البعض منهم لم يتردد في تصنيف إسرائيل في خانة «الدولة العنصرية». وحمل هؤلاء على واشنطن لتزويدها تل أبيب بالمزيد من الأسلحة.
على الأثر تحركت اوركسترا «معاداة السامية» وقامت بهجوم معاكس، نشرت الصحف الأميركية نماذج منه، ضد البرلمان الأوروبي وعناصره الذين تجرّأوا ووضعوا النقاط على الحروف العدوانية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق وبالتزامن، عاد الحديث في وسائل الإعلام عما يسمّى بظهور موجات عدائية جديدة لليهود في أوروبا؛ تمثلت في «المضايقات» التي يتعرضون إليها في بعض الدول الأوروبية، كما في «التعديات، التي تحصل ضد بعض دور العبادة اليهودية».
طبعاً مثل هذه الأعمال والسلوكيات التي تستهدف الناس على الهوية، تستحق الإدانة والتصنيف في خانة العنصرية. لكن هذا شيء وتسليط الأضواء على النهج العدواني الذي تعتمده إسرائيل، كقوة احتلال للأراضي الفلسطينية شيء آخر مختلف تماماً. الأول كراهية مطلوب رفضها والتصدي لها.
الثاني موقف سياسي إزاء وضع ينبغي تعريته وفضحه؛ لأنه انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية وهذا أضعف الإيمان. وحدها الأبواق الإسرائيلية، في الإعلام والمنظمات وقوى الضغط، ترى فيه افتراء على إسرائيل وتعبيراً عن مشاعر كراهية تجاه اليهود.
إذا كان خطاب الأوروبيين في هذا المؤتمر يؤشر إلى شيء، غير وضعه للاصبع على الجرح، فهو أن زمن التهويل والتخويف بفزاعة «معاداة السامية» يبدو أنه فات. فالتهمة واهية ولم يعد بوسع إسرائيل وجماعاتها حجب الشمس بالغربال. لكن المفجع انه في اللحظة التي يزداد فيها افتضاح أمر إسرائيل وعدوانيتها تنبري الصراعات الفلسطينية الداخلية لتقديم خدمة مجانية لها.
