المتتبع لخطوات جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين وتحركاته الأخيرة على المستويين العربي والدولي سيخلص إلا حقيقة تبدو واضحة في تفصيلالتها ومعانيها ، وهي أنه ينطلق من قناعة بأن فرصة السلام التي يوفرها اللقاء الدولي المنتظر رغم الضبابية التي تحيط به يجب ألا تضيع تحت أي ظرف من الظروف ، وهو حين قال أكثر من مرة إنه إذا ضاعت هذه الفرصة فسوف يدفع الجميع ثمن ذلك الخطأ ، وسوف تتاح فرصة أخرى للمتطرفين والإرهابيين ليفرضوا برنامجهم التدميري وموقفهم الصدامي لأن المؤمنين بالحوار والتفاوض السلمي تراجعوا إلى الوراء.
شركاء جلالة الملك في تلك القناعة كثر ، وفي مقدمتهم قادة دول فاعلة في المنطقة سواء كانوا منها أو من خارجها ، ولكن من بين هؤلاء جميعا الذين ينظرون إلى الوضع الراهن بالطريقة نفسها التي يرى بها جلالة الملك المستقبل القريب ، يقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس المصري حسني مبارك على ذات الدرجة من الاستشراف لما هو آت من تطورات واحداث ومفاجآت إن بقي الحال على هذا القدر من التردي في فلسطين والعراق ولبنان بل في المنطقة كلها حيث تدور القوى الإقليمية والدولية في حلقة مفرغة من المنطق أو حتى من أبسط قواعد اللعبة السياسية التي قد نستند إلى وعينا بها حين نريد معرفة ما يجري أو نتوقع ما قد يحدث.
قمة الاسكندرية التي جمعت بين جلالته والرئيس مبارك أظهرت حجم التحديات التي تواجه الموقف العربي وثقل المسؤولية التي يتحملها الزعيمان في هذه المرحلة المعقدة لتهيئة أرضية يمكن البناء عليها لإقامة الدولة الفلسطينية من ناحية ، وإنشاء العراق الجديد من ناحية ثانية ، وصيانة الأمن القومي العربي من ناحية ثالثة ، رغم أن واقع الحال يرينا وضعا فلسطينيا مائلا يصوره لنا ذلك الانشقاق بين السلطة الوطنية وحماس ، وذلك الفصل المشين بين الضفة الغربية وقطاع غزة تصويرا مريعا ، مثلما يرينا الحرب الأهلية ، والفشل السياسي والأمني في العراق ، مشهدا يثير الحزن والألم في آن معا.
ما من شك في أن هذه المنطقة من العالم العربي تمر في مرحلة لا مثيل لها إلا في حقب من أزمان غابرة سجلها التاريخ في صفحات سوداء ، فكيف لنا أن نتصور الفلسطينيين يقتتلون تحت الاحتلال الإسرائيلي ، والعراقيين يقتتلون تحت الاحتلال الأجنبي فلا يسمعون صوت العرب من حولهم يناديهم بأن كفى هذا العبث بحاضركم ومستقبل أبنائكم وبحقوقكم المشروعة ومكتسباتكم الوطنية.
وسط هذه الأجواء يريد جلالة الملك ألا تذهب الأمة إلى ما هو أسوأ من السو ، ومن هذا المنطلق يتنقل جاهدا من بلد إلى بلد على أمل ألا ينسى المجتمع الدولي واجباته القانونية والأخلاقية تجاه دول وشعوب في هذه المنطقة ، لم تعرف الأمن والسلام والاستقرار منذ أمد بعيد ، ودول تعطلت فيها التنمية واشتدت عليها الضغوط والتحديات نتيجة لحالة الإقليم الذي تعيش فيه.
لقد كانت قمة الاسكندرية حلقة من حلقات التشاور بين جلالة الملك والرئيس مبارك ، ومحطة مهمة في الطريق الذي يسلكه جلالة الملك من أجل أن يكون وصول الآخرين إلى اللقاء الدولي الخاص بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي وصولا آمنا ومفعما بالأمل ، وهذا هو أقصى ما يستطيع في ظل هذا الوضع المرير.
