لو أن الوضع في العراق كان ورديا واستتب الأمر للأمريكيين وثبتوا الواقع الذي يريدون، ولم تكن هناك خسائر يومية للجيش الأمريكي في الأرواح والعتاد بمليارات الدولارات، ولم يكن الرئيس الأمريكي جورج بوش أو المسؤولون الآخرون يأتون فجأة وسرا، ولو تحركت عجلة البناء الاقتصادي في العراق، لو تحقق كل هذا ومثله لرأينا المسؤولين الأمريكيين يتنافسون كل ينسب الفضل لنفسه، وكل منهم يزعم أنه صاحب الإنجاز. أما وأن الوضع عكس ذلك تماما، فكل مسؤول ينأى بنفسه بعيدا ولسان حاله يقول: لست أنا.

آخر تملص كان من بول بريمر الذي حكم العراق بعد إسقاط النظام السابق، فهو الذي وقع على كل القوانين التي حُكم بموجبها العراق المحتل كونه مفوضا من قيادة الاحتلال، ومن تلك القرارات التي أثارت الجدل وأسالت الكثير من الحبر ما تعلق بحل الجيش العراقي السابق، فبريمر أصدر قرار حل الجيش الذي أصر الإعلام الأمريكي على تسميته "جيش صدام"، وكان الهدف هو إنشاء جيش جديد مضمون الولاء للحكم الجديد، لكن ما غاب عن أصحاب القرار هو العواقب التي ستلي تنفيذ حل الجيش.

جاءت رياح النتائج عكس ما تشتهي سفن البيت الأبيض، فخبرات جنود وضباط خاضوا حربا ضد إيران استمرت 8 سنوات، انتقلت للتنفيذ الميداني ضد جنود البيت الأبيض الذي أقر حصارا قاسيا استمر 12 سنة، فحدث أن وقع الجيش الأمريكي في مستنقع لا يستطيع الفكاك منه، فالخسائر يومية وبوش لا يفتأ يطلب المزيد من التمويل وآخر فاتورة طلبها كانت قيمتها 50 مليار دولار.

ولأنه لا يستطيع التوفيق بين تصوير الوضع الكارثي في العراق على حقيقته وتأكيد الانتصار الواضح، بدأ الرئيس بوش يلقي بمسؤولية القرارات التي اتضح خطؤها على مساعديه، وجاء هذا التملص غريبا، فبينما يتحدث بوش عن عدم علمه بقرار حل الجيش العراقي، يصر بريمر على أنه لم يكن يتحرك بدون موافقة الرئيس بوش!

هذا السجال الغريب الذي تتناوله الصحافة الأمريكية يكشف الفوضى التي سبقت وصاحبت غزو العراق، فالرئيس بوش يعترف بنفسه أنه لم يكن يعلم بتصرفات بريمر، وهذا يجعل صورته مهزوزة أمام الأمريكيين الذين يرون رئيسهم غير مطلع على ممارسات أحد الأشخاص الذين نصبهم، ويصوره في وضع "المتمرد" على حاكم البيت الأبيض، بينما يكذِّب بريمر رئيسه ويقول إنه كان يعلم.

وفي الحالتين نجد الرئيس بوش في وضع لا يحسد عليه، لأن إجازته القرار تظهر أنه لم يُقَدِّرْ جيداً عواقب حل الجيش العراقي وهو رئيس الولايات المتحدة، فيما يُظهر عدم علمه بالقرار أنه لا يحسن التحكم في إدارته.

هذا التخبط هو سبب غياب خطة أمريكية واضحة للتعامل مع الوضع العراقي، مما جعل البيت الأبيض رهينة بيد الحل العسكري الذي يثبت فشله يوما بعد آخر، والدليل هو أن الرئيس بوش نفسه يتحدث عن التقدم الأمني في العراق لكنه لا يعلن مسبقا عن زياراته، بل يأتي فجأة وسرا وهذا في كل مرة.