بإعلان الجيش اللبناني يوم الأحد الماضي «إكمال السيطرة» على مخيم نهر البارد، يكون قد انزاح عن كاهل لبنان كابوس مزعج أنهكه جيشا ووطنا على مدى أكثر من ثلاثة أشهر، وشرد عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين آواهم هذا المخيم طوال العقود الماضية منذ النكبة عام 1948.
وبانتهاء هذه المعركة التي اشتعلت «فجأة»، دون سابق إنذار ودون معرفة كاملة وواضحة لأسبابها ودوافعها الحقيقية حتى الآن، يتنفس لبنان الصعداء ومعه كل أشقائه العرب الذين انتابهم الغضب من العملية الغادرة التي تعرض لها الجيش اللبناني وكانت الشرارة التي أشعلت هذه الحرب العبثية المفتعلة، بينما كان الجيش يحاول استعادة دوره ومكانته في مواقعه الطبيعية على الحدود مع العدو.
فلماذا تم افتعال هذه المعركة في هذا التوقيت؟ ومن الذي افتعلها؟ ولمصلحة من؟ وما الدوافع والأهداف من وراء كل ذلك؟
أسئلة عديدة، بل ألغاز مركّبة ما زالت تنتظر من يجيب عنها ويحل عقد خيوطها المتشابكة، رغم كثرة التحليلات والتخمينات التي تناولت معركة النهر منذ بدايتها وما زالت تتواصل. لكن السؤال الأهم، الآن، يبقى هو هل نهاية «كابوس نهر البارد» ستقود إلى نهاية مشابهة لكل الكوابيس التي يعاني منها ويواجهها لبنان حاليا؟ وهل هذه المعركة حالة منفردة بذاتها أم هي حلقة من سلسلة متحركة لا احد يدري أين ومتى تنطلق شرارتها مجددا؟!
لقد عُرف مصير قائد المجموعة شاكر العبسي، بعد أن تم التعرف على جثته وتأكيد هويته، لكن ماذا عمن استطاعوا الهروب أو التسلل خارج المخيم من أتباعه ومناصريه؟ إن تأكيد قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان أنه «لو مضت المجموعة في مخططها لرأينا المشهد العراقي يصيب لبنان»، يشير إلى أن هناك من هو اكبر من جماعة «فتح الإسلام» ممن له مصلحة في تصعيد التوتر وإثارة «الفوضى الهدامة» في لبنان وفي المنطقة كلها. وهناك مخاوف جدية لدى بعض المراقبين من أن جماعات أخرى قد تكون مستعدة أو «معدَّة» للقيام بدور مشابه في مناطق أخرى من لبنان.
والمؤسف أن المناخ السياسي الملتبس في لبنان، يشجع هذه المخاوف ويعطيها مصداقية أكبر، ما لم يتمكن السياسيون اللبنانيون من تغليب المصلحة العليا لوطنهم والتوصل، بالتالي، إلى صيغة توقف تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتجنب لبنان المزيد من «الكوابيس» المشابهة لكابوس العبسي وجماعته.
ولعل المبادرة التي أطلقها مؤخرا رئيس مجلس النواب نبيه بري بخصوص الاستحقاق الرئاسي الوشيك، تكون مدخلا مناسبا لمثل هذه الصيغة المنشودة لحماية لبنان حاضرا ومصيرا، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الكبيرة والكثيرة التي تتربص به من كل جانب.
ومما يعزز هذا الأمل ردود الفعل الايجابية التي أظهرتها قوى الموالاة الحكومية تجاه هذه المبادرة، إضافة إلى بعض ردود الفعل الخارجية، وخاصة موقف فرنسا التي رحبت بمبادرة الرئيس بري وأعلنت أنها «تستحق الإشادة».
إن تغليب منهج الحكمة والتعقل والنظر بواقعية وموضوعية إلى موازين القوى الفعلية، محليا وإقليميا ودوليا، هو السبيل الوحيد لخلق أرضية سليمة تسمح بالتقاء الفرقاء الأشقاء وتلاقي أفكارهم تمهيدا للتوصل إلى حلول توافقية لا بديل عنها لحل الأزمة السياسية التي هي «أم الأزمات» كلها في لبنان.
صحيح أن أطرافا سياسية لبنانية قد اكتسبت حضورا سياسيا وبريقا إعلاميا، ما كان لها أن تحققه لولا تأزم الأوضاع وتعميق الخلافات بين اللبنانيين، لكن على هؤلاء الذين يعتمدون على قوى خارجية لتصليب مواقفهم والمبالغة في شروطهم، أن يتابعوا بعناية ويقرأوا جيدا ما تتعرض له بعض تلك القوى الدولية من نكسات متلاحقة وعلى أكثر من صعيد.
كما إن على الطبقة السياسية اللبنانية مجتمعة وعلى قياداتها بشكل خاص، أن تدرك أن سفينة الوطن واحدة، وان غرقها لا سمح الله، لا يعني إلا شيئا واحدا مؤكدا وهو غرق الجميع. وإذا لم يعمل ركاب السفينة بأنفسهم على حمايتها من الغرق، فلن ينقذهم الآخرون.. سواء أكانوا إقليميين أم دوليين، وأيا كانت نواياهم أو مخططاتهم وأجندتهم الخاصة!