سيبقى التاريخ يشهد على ان فاتحة القرن الواحد والعشرين كانت مثل حقيبة رائعة للإنسان، ولكنها مليئة بالألغام والأسلحة الذكية التي فجرها تيار سّمى نفسه بـ «المحافظين الجدد»، إذ شاءت الصدف ان يعصف بالعالم كله، فلقد أسيئ للسياسة الخارجية جداً، ودخل العالم في طور تدمير اقتصادي من خلال إنفاق عسكري هائل كذاك الذي مارسه السوفييت بجنون.

كما واستخف بالقانون الدولي وازدرى كل تاريخ الأمم المتحدة على مدى خمسين سنة من التطور الذي برعت فيه عدة مؤسسات دولية، كذلك لم تحارَب «الأنظمة المارقة» ـ كما أسماها ـ بقدر ما حوربت الشعوب وعوقبت على أفعال لم ترتكبها أبداً، لقد أماتوا حتى تلك الآمال التي كان يذكيها من سيبني دولة الرفاهية، لقد حوربت المجتمعات الثالثة حرباً لا هوادة فيها، كان العالم من قبلهم يسعى إلى الأخذ بيد الشعوب المنكوبة والمضطهدة والفقيرة، ولكنهم أدخلوا العالم في مشكلات لا أول لها ولا آخر ومضوا في سياسات تقليدية تعود قيمها إلى الماضي الاستعماري الكريه، لم يعرفوا إدارة الحروب التي أشعلوها، بل أجّجوا روح العداء بين المجتمعات.

وأشعلوا الفتن والانقسامات من دون تقديم أي حلول مستقبلية لها، كانوا في البدايات عند الستينات الماضية مجرد أرقام يطرحون فلسفتهم باتجاه الديمقراطية ومحاربة الشيوعية ويعملون من أجل دولة الرفاهية وحقوق الإنسان في العالم، لكنهم مع بدايات القرن الواحد العشرين تخلوا عن تلك الالتزامات التي جسدها غيرهم، بل وتحولوا إلى أشبه بأعداء للثقافة الديمقراطية والأفكار الليبرالية الحقيقية، بل وان بودوريتز قد أطلق عليهم أصحاب «ثقافة معادية» ليس في أميركا نفسها، بل في كل العالم الحي، ان حركات مناوئة للمحافظين الجدد تتشكّل اليوم،.

وتمثلها حركات وأفكار ومؤلفات تسعى إلى تحرير التاريخ من الأساطير والى تحرير السياسة من قبضة الخرافة، والى أبعاد الدولة عن الدين، ان ثمة استعادة جديدة للفكر الحر، بل وانتعشت الأحزاب الاشتراكية من جديد، وثمة موجة لدى الأكاديميين الأميركيين والكنديين ـ بشكل خاص كما أراها اليوم ـ تطالب برفض الابتذال التاريخي الذي أشاعه المحافظون الجدد.

أما كيف يتم تفسير هيمنة ذلك «التيار»؟

تبلور التيار فكرياً كرد فعل على فورة الاشتراكيين لخمسين سنة بعد الحرب العالمية الثانية، فظهرت جماعات تؤكد دور النخبة دون المجتمع ممثلة بأفكار ملتون فريدمان، وفردريك فون هايك، وروبرت نوزيك، وقامت جماعات أخرى على أصول رجعية قديمة تصاحبها هستيريا قومية وجهالة دينية وكراهية للنخبة ونعرة شوفينية تستمدها من القرن 19.

وقد قام رونالد ريغان بدمجها ببعضها، فتبلور تيار المحافظين الجدد بأيديولوجية تقوم على تناقضات دمج المصالح النخبوية في رأسمالية السوق، ولما كانت السوق قد تطورت بشكل كبير، فلقد بدأت لعبة المصالح الدولية تشّرع كل الحروب وكل الصراعات في العالم من أجل منافع نخبة معينة في هذا العالم!

وصلوا إلى إدارة شؤون العالم من دون ان يعرفوا تاريخ العالم، بل ولم يعرفوا كيف يتعاملون مع هذا العالم، ووسعوا الهوة والشقاق بين الشعوب بإثارة النعرات الشوفينية والدينية والطائفية تحت شعارات بائسة واطلقوا المشكلات الصعبة، واستخدموا الأسباب السياسية من أجل كارتلات مصالحهم البترولية.

لقد مارسوا ثورة مضادة على كل قيم الحداثة والديمقراطية وكل ما كان الإنسان قد وصله عند حافات نهاية القرن العشرين، ان ثورتهم المضادة ضد الصياغة الطبيعية للعالم قد أضرت كثيراً بالولايات المتحدة الأميركية كقوة أساسية لخمسين سنة مقبلة، بل ولم يراعوا كل الثقل التاريخي الذي أنجزه الأميركيون لخمسين سنة فاتت كما يقول ادموند بروك في نقداته التي أوضحت العلاقة بين الموتى والأحياء من طرف وبين الأحياء .

الذين لم يولدوا بعد من طرف آخر! انهم في طريقهم للزوال، إذ لو قدر وبقوا في سلطة العالم فسينقلونه إلى الكارثة الحقيقية، وسيحل المصير نفسه بالولايات المتحدة كذاك الذي حاق بالاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية نتيجة الجمود الشيوعي الذي قاد إلى الهلاك، ان تروتسكية المحافظين الجدد في طريقها إلى الاختفاء بعد ان قدمّت تجربة تاريخية سيئة جداً لكل العالم.

وسيتحمل المستقبل ثمار نتائجها المرة، لقد استخدموا الحرية والديمقراطية مجرد شعارات واهية ومن خلالها حشروا العالم في علب سردين لا تتوافق مع القيم الإنسانية، بل واستخدموا «الدين» وسيلة للمآرب السياسية وأشعلوا من خلاله العالم وتركوه مجرد مستنقعات متعفنة يحتاج إصلاحها إلى عشرات السنين.

لقد سيطرت «نخبة مستبدة» على كل المقاليد مع إجحاف نظام ضرائبي ونزعة شوفينية مكشوفة.

وخلق عدو جديد بعد أفول الشيوعية، ممثّلاً بالأصولية الإسلامية التي يدركون انها لا ترقى أبداً إلى خطورة الشيوعية، ولكن جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001، لتؤكد لهم حقيقة الصراع الذي افترضوه، ولقد ألمح الكثير إلى ان عهد ريغان هو بداية اشتداد التيار وان انهياره سيكون من خلال المستنقع العراقي! ولقد ولدت مصطلحات وتعابير من قبلهم، مثل: «الدولة المارقة» و «محور الشر» و «الضربة الوقائية» وغيرها.

وأخيراً، فان ثمة جاذبية شعبية وسذاجة اجتماعية تتمتعان بهما استراتيجية المحافظين الجدد، وسوف لن تموت برحيل إدارة بوش، فالتيار سيبقى في طور الانتظار لا الاحتضار، وسيتغذى على تناقضات خلقتها عوامل جديدة أهمها الإرهاب العالمي والخوف الكامن في أعماق التاريخ الأميركي من الآخر.

وان تغيير واقع صعب لا تنهيه إدارة سياسية أو فكرة إيديولوجية ما لم تتوفر بدائل حقيقية وسياسات جديدة تعكس ما هو الأفضل في التعامل مع التقاليد السياسية الأميركية من طرف وتترجم رؤيتها الجديدة إلى العالم.

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com