نتيجة لتطور الفكر الانساني في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما طرحه هذا الفكر في نسخته العولمية الجديدة من أفكار وقيم وأطر عمل، دخل إلى بورصة التداول مفاهيم جديدة.

وخرج من هذه البورصة كذلك مفاهيم أخرى يطلقون على بعضها (تقليدية، أو تراثية)، فسيطر العديد من المفاهيم الجديدة على الفكر والتخطيط الاستراتيجي وباتت تؤطر العديد من الأنشطة المجتمعية، منها اقتصاد السوق، وتحرير التجارة، ولربما كانت الشفافية من أبرز هذه المفاهيم، إذ أخذ يسيطر على غيره من المفاهيم - وبات على كل لسان - لدرجة إنشاء «منظمة الشفافية العالمية» عام 1995 (مقرها برلين).

وبدعوى مراقبة الأداء العام قامت العشرات من منظمات الشفافية الدولية والوطنية على المستويات الحكومية والخاصة والأهلية، وبات تطبيق الشفافية مطروحاً على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والمعلوماتية وإلى ما هنالك. فقد انتشر الفساد بنسب مختلفة ومعايير متباينة في جميع بلدان العالم دون استثناء، بما في ذلك في معظم بلداننا العربية، حتى أن نسبته في العديد من الدول العربية بلغت حداً ربما تفوق نظيراتها في بقية بلدان العالم.

من هنا كثر الحديث عن الفساد وكثرت الندوات والمؤتمرات والدراسات والبحوث المخصصة لبحث هذه الظاهرة والوقوف على خطرها، وتوصلت نتائج معظم هذه المداخلات البحثية والحوارية إلى أن علاج الفساد يتم بالحكم الرشيد الصالح الذي يقوم على الشفافية والإدارة الحازمة والنظيفة التي تسلط الأضواء على مواقع الفساد وجيوبه.

وفي ظل ترهل القضاء وضعف المساءلة والمحاسبة، أصبح ينظر إلى الشفافية باعتبارها المعادل الموضوعي لمحاربة الفساد الإداري (الحكومي وغير الحكومي) في كافة أنحاء العالم، فالشفافية باعتبارها آلية فعالة لرؤية وتقييم ونقد ما يقوم به المسؤولون من ممارسات، تستهدف ضبط إيقاع العمل الوظيفي، وتوجيهه باتجاه خدمة المواطن، والنهوض بالوطن.

إن إقامة المجتمع الشفاف تتطلب توسيع قاعدة المشاركة في عمليات الإصلاح، تلك المشاركة التي تسمح للقوى الفاعلة في المجتمع بالتأثير على الأداء المجتمعي العام بشقيه الحكومي والأهلي (أي الأحزاب والنقابات والمؤسسات والمرجعيات الثقافية والدينية وغيرها) وتحسين عملية صناعة القرار وترقيته ! وهذا بدوره يتطلب إجراءات شفافة تقوم على الكشف عن مختلف القواعد والأنظمة والتعليمات والإجراءات والآليات المعتمدة.

إن المشاركة المجتمعية الواعية ضمانة لقيام الحكم الرشيد وفق قيم ومبادئ النزاهة والعدالة والكفاءة واحترام سيادة القانون، والمنافسة الحرة الموضوعية النزيهة، وضمانة للممارسات المتسقة الشفافة، والتفاعل المقبول بين الأطراف الحكومية والخاصة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما يسمح الحكم الرشيد بالمساءلة الجدية الصارمة وفق القواعد القانونية وضبط قواعد الرقابة والتدقيق، واعتماد معايير المصلحة العامة!

لقد ارتبط مفهوم الشفافية ارتباطاً وثيقاً بالديمقراطية، وبهذا الارتباط فإن الشفافية تعني تمكين الشعب من الوصول إلى المعلومات، ومعرفة السياسات العامة والمشاركة فيها، والمشاركة في صنع القرار، في إطار مبادئ الفصل والتوازن بين السلطات ودون تغول سلطة على أخرى، وإعمال مبدأ المساءلة والمحاسبة، على اعتبار أن هذه المبادئ الديمقراطية من الحقوق الأساسية للمواطنين، فضلاً عن أنها من أهم ضمانات الديمقراطية وقيام المجتمع الشفاف الذي يعلي من شأن قيم الديمقراطية والصدق واحترام الآخر والعدالة والمساءلة، باعتبارها قيماً أخلاقية أصيلة وملزمة.

في هذا السياق تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً استراتيجياً في إدارة الحكم، وذلك عبر المشاركة الواعية في الشأن العام، وتقييم اداء الدولة، وإعمال مبدأ المساءلة والمراقبة الصحيحة، وجعل كافة مرافق الدولة شفافة تعكس ما يدور بداخلها وتوفير المعلومات الخاصة بتفاصيل وحيثيات هذا الأداء، كما تتطلب إعادة الهيبة للسلطة القضائية وتخليصها من طغيان السلطة التنفيذية عليها، وتخليصها من الترهل الذي يصب بالنتيجة في خانة الفساد الإداري!

ورغم أهمية التشريعات وأدوات الرقابة والمحاسبة القانونية ومؤسسات الشفافية المختلفة (وخاصة الإعلام) إلا أن مؤسسات المجتمع المدني تظل الأداة الحقيقية للمجتمع في حماية نفسه من الفساد الإداري وهدر الثروات العامة وسرقتها، ويؤدي المجتمع المدني دوره من خلال رقابته الطوعية حماية لنفسه من انحراف الحكومة ومسؤوليها، ولا يتحقق هذا الدور ما لم يلتزم بالديمقراطية وإعمال الشفافية داخل مؤسسات المجتمع المدني نفسه وتطبيق النزاهة على برامجه وممارساته، ومناهج وأساليب عمله أولاً وقبل كل شيء.

إن المجتمع المدني الفاعل هو من أهم المؤسسات القادرة على مواجهة الفساد، وفضح أساليبه ومستوياته المختلفة، من خلال شفافية حقيقية تتعدى الديكورية إلى المساءلة الاجتماعية الشاملة القادرة على إخراج المجتمع من ورطاته السياسية والإنمائية المتعددة .

ولكن وعلى الرغم من أهمية هذا الدور المنوط بالمجتمع المدني في المجتمعات الديمقراطية؛ إلا أن واقع الحال يشير إلى مستويات غير مسبوقة من استشراء الفساد السياسي والاقتصادي والإداري والمالي، فساد فتك بمعظم مؤسسات الدولة العربية (الحكومية منها والمجتمع المدني)، ولعل من أبرز مخرجات هذه الحالة العبثية من غياب الشفافية واستشراء الفساد طغيان الاستبداد واحتكار السلطة والقرار، والتجاوز على مبدأ تداول السلطة.

حيث لا تداول للسلطة ولا توزيع للمسؤولية، ولا إعمال لقواعد الشفافية، حتى ان مصادر التمويل باتت غير معروفة بل ومشبوهة في كثير من الأحيان، وبعيدة عن أعين الرقباء والمدققين، حتى انها لم تعد في متناول أعضاء هذه المؤسسات أنفسهم، هناك تسيب وترهل، هناك محسوبية وعشائرية، وهناك اختلاسات وهدر للمال العام، هناك مشاريع وهمية، أو مشاريع ديكورية استعراضية، فالكل يحابي الكل في بحر لجي من الفساد والإفساد.

على أن هنالك ضوءا في نهاية النفق، حيث ان التحولات الجذرية في المجتمع الإنساني اليوم أفرزت استحقاقات جديدة أمام الدولة، تستدعي من الدولة ذاتها إجراء تحولات جوهرية في طبيعة أدائها، وتطويرا جذرياً في هياكل مؤسساتها الحكومية والأهلية والخاصة، تحولات تسمح بقيام الحكم الصالح، الحكم الذي يعمل على إعادة صياغة الأهداف الاجتماعية وتحديدها من جديد، حكم يسعى إلى كفالة الحريات المدنية والسياسية وسيادة القانون وتطوير القدرات المؤسسية للدولة، وتنظيم القطاعات المختلفة للمجتمع، وضمان حكم القانون، وحماية حقوق الملكية، وشفافية السياسات والإجراءات وعدالتها والسيطرة على الفساد.

أمام هذه الأهمية التي يكتسبها مفهوم الشفافية، أصبح من الموضوعي القول بما قال به العديد من المفكرين بأن «الشفافية حق من حقوق الإنسان» ، فضلاً عن أنها ضرورة من ضرورات الحكم الصالح الرشيد .

خلاصة القول إن الشفافية والفساد مفهومان متعارضان، فحين تغيب الشفافية، ينتشر الفساد ويتعزز بأنظمة حمائية ثقافية وتشريعية واقتصادية وسياسية واجتماعية، في مجتمعاتنا العربية ينشأ الفساد عن المحسوبية والإقليمية والعشائرية واستغلال السلطة والوظيفة العامة، فيظهر التسيب، وتنتشر الرشوة والاختلاس، وربما يفسر ذلك ما تشهده مجتمعاتنا من هدر للموارد البشرية والمالية، وانهيارات على غير صعيد ومجال! لدينا بعض حكومات فاسدة، ولدينا بعض أنظمة حكم غير كفوءة ؟

وفوق ذلك كله فهي أنظمة شمولية واستبدادية، بل ودموية أحياناً، لدينا غياب، لا بل تغييب للكفاءة، لدينا تراجع في الأداء العام، لدينا موبقات كثيرة، حتى باتت بعض دولنا بحق - كما قال أحدهم - تبدو كالصندوق الأسود للطائرة، لا نعرف عن إدارتها شيئاً إلا عند تحطمها، فلا إصلاح، ولا عدالة، ولا تنمية، وتحرر ناجز دون شفافية، ولا بد من محاربة السلوك التبريري الملازم للإخفاق، فالمطلوب شفافية جادة وكاملة بكل مقوماتها الصحيحة وفي مقدمتها مجتمع مدني جاد وقادر على المواجهة وفضح الفساد، مجتمع مدني شفاف فاعل وقادر على الفعل.

سياسي وبرلماني سابق وخبير قانوني أردني

jobeidat@gmail.com