سيعجب المرء من هذا المشهد الذي يراه هذه الأيام في فلسطين، ويتساءل بحرقة: أين غاب العقلاء؟ وأين اختفوا من ساحة هذا الوطن الصغير؟ وكيف غابوا ولماذا؟!

فليس من وطن عربي فيه هذه النسبة الكبيرة من العلماء والمفكرين والمثقفين والمتعلمين التي توجد في هذا الوطن الصغير. كيف اختفوا أو غيبوا وباتت الساحة حكراً على أقوام متصارعين في بقعة ضيقة جداً، وتركوا المجال واسعاً لعدوهم يهزأ بهم ويسخر من قضيتهم ونضالهم ويشحذ أنيابه لافتراس ما بقي من أرض فلسطين وابتلاعها؟

إن أخطر شيء في ما يجري هو غياب الوعي والعقل أمام طغيان الفردية والجهوية والحسابات الشخصية، وهي أبعد شيء عن حقيقة القضية الفلسطينية وعدالتها وقدسيتها ورمزيتها، ولو أن العقل يسود لحظة ولو أن العقلاء يقفون لحظة يستمعون معاً إلى صوت المنطق والعقل والمصلحة والمستقبل لشعروا بالخزي والعار أمام ما يجري في فلسطين الرمز والحق والمستقبل، ولوجدوا أن المتحاربين المتصارعين على اختلاف أهدافهم يضربون المثل السيئ أمام الفلسطينيين والعرب والمسلمين والشرفاء في هذا العالم. كيف هانت عليهم قضيتهم واختزلت حتى أصبحت صراعاً بين جهات أو أحزاب أو جماعات؟

إن الطفولة السياسية، والنزعات الفردية والشخصية، والتنظيرات التي تلبس لبوس الوطنية والدين قد طغت على مصلحة الوطن والأمة، وباتت فلسطين أداة في أيدي أصحاب الأهواء والمصالح، ولم يعتبر أحد من المتصارعين مما يجري داخل الكيان الصهيوني من تقديس للمصلحة العليا، هذه المصلحة العليا التي تسمح بالاختلاف في سبيل الكيان نفسه، فلا أحد ينتقض على أحد، فاختلافهم يصب في مصلحتهم واجتهاداتهم لا تصب في غير مصلحة الكيان.

لا بد من الاعتراف بأن داء السياسة الفلسطينية قائم منذ بداية القضية على الفردية والجهوية مهما يتلبس لبوس الوطنية والقومية والأممية، وهو داء الأمة العربية جميعاً، هذه الأمة التي رأت في قضية فلسطين قميص عثمان، ولم تفكر في فلسطين والفلسطينيين إلا في استخدامها واستخدامهم كورقة تساوم عليها أو تبتغي بها التقرب لدى طرف إقليمي أو دولي.

إن قضية فلسطين لم تكن يوماً قضية تخص هذا الوطن الصغير، فاختيارها وطناً قومياً لليهود حلاً لمشكلة أممية لم يكن شأناً محلياً، بل إن الواقع المؤكد أن اختيار فلسطين موئلاً للصهاينة كان قراراً عالمياً أسبق من وعد بلفور نفسه لتقسيم الوطن العربي وفصل مشرقه عن مغربه بحاجز عنيد يمنع وحدته وتقدمه وازدهاره، ويزرع الرعب فيه، ويحول دون الاطمئنان إلى حياة هادئة تشجع على التنمية ومحاربة الجهل والفقر والمرض، وتسمح للناس أن ينظروا إلى الحياة كما ينظر الآخرون.

وعلى هذا النحو تطورت القضية الفلسطينية نحو المحلية، وبدأ الاهتمام العربي والإسلامي الفعلي بها يضعف حتى أصبحت قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، ولا تمتد يد العرب والمسلمين إليها في الغالب إلا لمصلحة فردية أو جهوية تحقق هدفاً أو مصلحة ضيقة، حتى وصلت القضية، على الرغم من قوافل الشهداء الأبرار والتضحيات التي عز لها نظير، إلى صراع على السلطة أياً كانت الأسباب والمبررات.

وحتى ضرب الجميع المثل في التنكر للعقل وللمصلحة الوطنية والقومية العليا، وبدا العدو قرير العين وهو يراقب ما يجري بل يصب الزيت على النار، وربما أصبح أقرب إلى بعضهم من أشقائهم؛ فالعدو يقضم الأرض ويسيطر على المقدرات بالطول والعرض، والمتناحرون يسيطرون على حارة أو شارع أو مؤسسة وما سيطرتهم على أي شيء من ذلك إلا سيطرة وهمية.

ولو أننا استعدنا ما قاله شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان منذ وقت طويل، وهو الذي رحل عن الدنيا قبل سبعة وخمسين عاما تقريبا، لأدركنا أن التاريخ للأسف يعيد نفسه، وأن الزعامة الفردية والجهوية والحزبية والمصالح العابرة التي لن تبقى بعد أن يزول الوطن هي المسيطرة والحاضرة، وكأن فلسطين الرمز والحق والعدل والقضية أبعد ما تكون عن عقول هؤلاء المتناحرين وقلوبهم. قال إبراهيم طوقان في هؤلاء:

هزلت قضيتكم فلا

لحم هناك ولا دم

حتى العظام فقد

تعرقها الذئاب وأتخموا

بليت قضيتكم فصارت

هيكلاً يتهدم

ضمرت إلى «بلدية»

فيها العدا تتحكم

أوضاعها مجهولة

ومصيرها لا يعلم

يا قوم ليس عدوكم

ممن يلين ويرحم

يا قوم ليس أمامكم

إلا الرحيل فحزموا..

أليس ما قاله إبراهيم طوقان ينطبق بشكل أشد وأمر مما كان على هذا الواقع المرير، بعد عقود من التجارب والحروب والتضحيات والدماء والشهداء. ماذا سيقول المتناحرون للشهداء والمناضلين بعد أن افترستهم المصالح الشخصية وهزمتهم الأنانية؟

هل سيبقون على رؤوس البلاد والعباد سيوفاً مصلتة بانتظار قبور جماعية للفرقاء والمتناحرين والمختلفين، أو أنهم سيكونون بانتظار الرحيل يحزمون حقائبهم كما سخر منهم شاعر فلسطين الكبير؟

لم يبق أمامنا إلا أن ندعو العقلاء من أبناء فلسطين والعروبة الذين أشبعونا معرفة وعلماً وفلسفة وتنظيراً على مدى عقود طويلة أن يهبوا من رقادهم ويتحملوا مسؤولياتهم من كل المواقع ليشهروا الكلمة والرأي والتاريخ في وجوه المتناحرين المتحاربين، وليعزلوا الأنانية والهوى والمصلحة والعاطفة الهوجاء عن مجرى القضية ويحكموا مصلحة الوطن والأمة والمستقبل ويغلبوا صوت العقل والعلم والتاريخ.

جامعة الإمارات