الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس بوش للعراق، حملت في طياتها دلالات، تدعو إلى التوجس. توقيتها ورمزيتها وما صدر عنها ورافقها من إشارات؛ كله يحمل على الاعتقاد بأن الوضع العراقي ربما يكون قد دخل، أو هو على عتبة الدخول، في انعطافة جديدة مختلفة ومفتوحة على المجهول. وليس من المجازفة القول، في ضوء تعقيدات وتفخيخات المشهد العراقي المعروف، بأنه مجهول يحمل على الخشية والتخوف.
طبعاً ليست هذه المرة الأولى التي يفاجئ فيها الرئيس بوش العالم ويحط في العراق. لكنها كانت في السابق زيارات استطلاعية ومعنوية، هذه المرة زيارته نوعية، فهي أولا تأتي بالتزامن مع انسحاب القوات البريطانية من البصرة، ثم هي تحصل عشية صدور تقرير الجنرال بتريوس، قائد القوات الأميركية في العراق، حول مدى ما حققته الحملة الأمنية في أعقاب زيادة عدد هذه القوات، قبل أشهر، وهو تقرير ينتظره الكونغرس وتلطى خلفه الرئيس بوش كي يشتري المزيد من الوقت للخيار الأمني.
وتجمع التوقعات، فضلا عن التسريبات، بأن الجنرال لن يكون بوسعه تقديم صورة مرضية للكونغرس، تكفل وقف اعتراضاته وتلويحاته بغرض جدولة انسحاب قريب؛ لا يريده الرئيس وحتى إذا كان بإمكانه تسجيل حصول درجة من التحسن الأمني ـ في بغداد والأنبار، حسب المصادر الأميركية ـ فإن الأوضاع تبقى بعيدة عن الاستتباب، بسبب تعثر العملية السياسية، في غياب مصالحة سياسية؛ لا بديل عنها. وفي مثل هذه الحالة فإن التقرير سوف يقدم ذخيرة للناقمين في الكونغرس، على سياسة الرئيس العراقية.
من هنا جاءت زيارة الرئيس بوش، لتدبير صيغة استباقية، تساعده على لجم استئناف الكونغرس المتوقع لحملته، بعد صدور التقرير؛ وذلك من خلال تسلحه بورقة جديدة؛ تعطيه المزيد من الوقت وبالتالي المزيد من تأجيل أي انسحاب، قدر الإمكان.
الخطر في ذلك أن الورقة التي يتوسلها شديدة التفخيخ. وهو قد كشف عنها عندما تحدث عن اعتزامه اللجوء إلى فئات وقبائل ـ من هذا الفريق وذاك ـ لتقوم بالمهمة الأمنية؛ بدلا من القوات العراقية.
في وضع مثل العراق، يشكل ذلك خياراً خطيراً. التعويل على قوى محلية بعد تسليحها وتدريبها، وفي غياب الحل السياسي؛ لن يكون أقل من وصفة لصدام أهلي واسع؛ ولو بعد حين، لا سيما وأن تلميحات صدرت عن مسؤولين، تسلط الضوء على ما قد تكونه الأحوال بعد ترجمة هذا الخيار.
مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، ستيفن هادلي، يقول إن الرئيس شعر بوجوب فعل شيء ما ليصبح في موقف يؤهله لاتخاذ بعض القرارات المهمة، وهذا الشيء، تقول وول ستريت جورنال، شديد الشبه بإستراتيجية «التقسيم الناعم» للعراق، والتي سبق وطرحها الديمقراطيون، خصوم الرئيس، الإشارة واضحة وهي لا تقل عن إنذار برسم العراقيين كافة.
الرئيس بوش حزم أمره، خطوة مماثلة مطلوبة من جانبهم لإسقاط هذا الخيار قبل فوات الأوان.
