قالوا نجحت بريطانيا في إدارة احتلال البصرة، وفشلت أميركا في بغداد، ومع أن البريطانيين أصحاب تجربة غنية في عملياتهم التاريخية مع الاحتلال، وكان العراق إحداها، فإن السقوط المدوي والخروج الصعب، قد يوضعان ضمن الواقعية البريطانية، عندما شعرت أن جيشها يتعرض لخسائر بالأرواح تضاف إلى التكاليف المادية، ومع أن العذر أقبح من فعل، فهل كانت أحلام (بلير) بالعودة إلى عقلية بريطانيا العظمى، ولو تحت الظل الأميركي، الدافع المهمّ، وخاصة في بلد تستدعي جاذبية خيراته تقاسمها مع الدولة الأكبر؟

مثل هذه التقديرات أوقعت بريطانيا بالهزيمة الثانية عربياً، بعد حرب السويس وهذا يعيدنا إلى أن هذه الدولة التي غالباً ما صاغت قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة بحيل قانونية ورطت العرب وغيرهم وبذكاء غير محدود، هي من وقع في فخ المغامرة التي لم تُشعرها أن الأزمنة تغيرت، وأن التورط في احتلال المدن والقرى وسط كثافة سكانية كبيرة، وثقافة متجددة ودون فهم لطبيعة الكرامة الوطنية، وضع الجيش البريطاني في أزمة استدعت أن تتصرف قيادة (براون) بالإخلال بالاتفاق مع أميركا لصالح وطنها، وهو من الجانب العقلي صحيح، لكن يجب مساءلة من أعدّ وتقدم لهذه الورطة، وكيف جاءت النتائج فضيحة دولية وداخلية.

أميركا قد يهمها أن لا تخسر حليفاً كبيراً في العراق، وهذا يؤكد أن الأمور بدأت تتجاوز ما كان مفترضاً إلى ما هو أخطر، حيث العراق صار نموذجاً ثالثاً بعد فيتنام وأفغانستان، بأن الحروب ليست الحلول السحرية، حتى لو كانت القوة تتعهدها دولتان كبيرتان في جميع الإمكانات قياساً بتلك الدول التي أصبحت فخاخها أكبر من الغنيمة المنتظرة، والتي ظلت هاجس الأميركان والبريطانيين والسوفيات.

الغريب في الأمر أن التجارب الساخنة لم تكن دروساً مفيدة، وهناك الآن من يرتب لعمليات عسكرية على إيران، وربما سورية، وحزب الله، بينما توجد مآزق لأميركا في عدة دول لاتينية لم تعد تهددها فقط بنشر ثقافة الكراهية لكل ما هو أميركي، وإنما إعادة اليسار الماركسي بعد فشله خارج تلك القارة، وحتى مع كل الاعتبارات بأن الاشتراكية انتهت تاريخياً، فالرئيس الفنزويلي (شافيز) أصبح ركناً ثانياً مع كاسترو في إحداث تغييرات جوهرية في سلوك حكومات هناك، فهل تنتقل الحروب من منطقتنا إلى الخلفية الجنوبية لأميركا، أم أن التورط في العراق ربما يكون نهاية الحروب، وخاصة لبريطانيا التي لا تزال عاجزة عن تفسير الوقوع في الأخطاء الأميركية والتخلص منها بما هو أسوأ؟

عموماً العالم يعيش متفرجاً على المعارك الخاسرة والتي دفع ثمنها العراق بالنتائج الصعبة، لكن أميركا وبريطانيا قدمتا الدرس الأصعب عندما خطت بريطانيا علناً، وبدون مواربة، الجلاء عن البصرة، وقد تكون أميركا تفكر بنفس الأسلوب، لكنها تخشى أن تتحول إلى دولة يشمت بها العالم ويحط من قدر قوتها، وقد تكون الانعكاسات المعنوية أخطر من هزيمة عسكرية.