عندما يكون المطلوب من العالم العربي أن يتحرك ليوحد رؤاه وأهدافه وإمكانياته وآلياته وقواه ليوفر مشروع أمنه وأمانه بما يمكنه من مواجهة التحديات المصيرية المطروحة عليه داخليا وخارجيا،و مجابهة التطورات الخطيرة المحيطة به على المستويين الإقليمي والدولي.
ويكون المطلوب من قادته وقواه السياسية الفاعلة القيام بمبادرات متكاملة ومتتالية لإيجاد الحلول العادلة والعاجلة للقضايا العربية الرئيسية للتحرير والتنمية، تتلفت الأنظار العربية بحثا عن القاطرة وعمن هو المؤهل لقيادة القاطرة، فإن الحركة الجماعية المطلوبة لتوحيد الرؤية.
ولتكامل الإمكانات، وللتوافق على تحديد الهدف، تتطلب قاطرة قادرة بمحركات قوية والتوافق على قيادة ماهرة، وأيا ما كانت مواقفنا، وأيا ما كانت رؤانا، فإنه يبدو في رأي الكثيرين أنه لا بديل عن القاطرة الطبيعية المثلثة لمصر وسوريا والسعودية التي أثبتت قدرتها على قيادة العمل العربي في الظروف الصعبة.
إن ذلك المثلث القيادي على قدر أهميته لا يمكن أن يكون بديلا عن مشاركة فاعلة وأدوار متكاملة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية للدول العربية كلها كل حسب قدرته وبمدى ما يستطيع أن يقدمه للعمل العربي
المشترك وصولا إلى الأمن العربي المشترك، وبالتجربة ثبت أن دور هذه القاطرة المثلثة كان دائما هو الدفع والرفع، دافعة للحركة عندما يتوقف السير ورافعة للأزمات عندما تتعقد الأمور.
ولقد أثبتت الظروف والتحديات التى مرت بالأمة العربية أنه كلما كانت العلاقات بين العواصم العربية وخصوصا بين العواصم الثلاث القاهرة ودمشق والرياض أقوى، كلما كانت الأزمات أصغر والقدرة على حل الأزمات أكبر، وكلما انتاب العلاقات نوع من الأزمة بين أي من هذه العواصم، كانت هذه الأزمة تنعكس سلبا على طبيعة علاقات باقى دول المنطقة، بل كانت تفرخ مزيدا من الأزمات.
إن ضرورات تأمين مظلة أمن قومي عربي مشترك على جميع الأصعدة، لا يتطلب بالضرورة تطابقا في جميع الرؤى لجميع المسائل والقضايا، فذلك أمرغير واقعي وغير منطقي، ولكنه ينبع من القناعة الأكيدة بأن البديل عن تأمين الضرورات سيؤدى بنا إلى الوقوع في المحظورات، خصوصا إذا كانت الضرورة تعني عند العلماء «هي أو الهلاك»، والأمن القومى هو ضرورة الضرورات وليس بمقدور أي دولة عربية ضمان أمنها وتقدمها بمفردها.
وفى الخيار بين الأعداء والأصدقاء فإن الأصدقاء هم الأولى، وبين الأصدقاء والأشقاء فإن الأشقاء هم الأقرب، خصوصا إذا اقتنع الجميع أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، وأن مساحات الاتفاق أكثر بكثير من مساحات الخلاف ومهما كان الخلاف في الرؤى بين الأشقاء فإن أرضية القواسم المشتركة بينهم كافية للقاء والعمل المشترك.
من هنا فإن الاختلاف السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ليس مشكلة في حد ذاته بل يمكن أن يكون هو الحل، لكن مشكلتنا العربية الحقيقية أننا عندما نفقد البوصلة ونولي وجوهنا إلى غير قبلتنا الحقيقية والطبيعية لا نوظف عوامل التوحد بيننا كما ينبغى، ولا نستثمر واقع التعدد كما يجب، حينما ننمي الاختلاف ونبدد الائتلاف، فتكبر الصغائر وتتضاءل الكبائر وتضطرب الأولويات والتوجهات ونفقد الرؤية الواضحة للهدف المشترك فنقع في المحظورات بدلا من تأمين الضرورات وأولها هو مواجهة الخطر المشترك بالأمن المشترك.
وعندما تبقى حقيقة وحدة الخطر المشترك والقناعة بوحدة المصير المشترك هي القاعدة الرئيسية لأي مشروع أمن عربي، تبقى الوحدة في الهدف والصف، والتكامل بين الأجزاء في الإمكانات والقدرات هي ضرورة الضرورات.
وعندما تبقى إزالة الاحتلال وتحقيق الاستقلال لكل بلد عربي محتل هي أولى الأولويات لأي برنامج عمل عربي، تبقى القضايا الرئيسية في فلسطين والعراق والصومال والسودان ولبنان هي وجهة كل التحركات لكن ذلك مشروط بتحقيق وحدة وطنية حقيقية لا وهمية بلا عقلية انتقائية أو انفرادية أو إقصائية.
وعندما تبقى الحاجة إلى حل كافة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية السياسية لكل قطر عربي هي أساس الأساسات، يبقى الأمان الشامل للمواطن العربي ولكل وطن عربي هو القاعدة القوية لأمن الوطن العربي.