لا يمر عام بل لا يمر شهر ولا حتى يوم من دون أن يأتي لنا الرئيس الأميركي جورج بوش بسبب جديد يبرر به الغزو الأميركي للعراق.
في البداية تمثلت أسبابه المعلنة للغزو في حيازة العراق لأسلحة دمار شامل والبرنامج النووي الذي كان من المفترض أن صدام حسين يسعى لتطويره إلى جانب صلاته المزعومة بالقاعدة، وعندما لم تثبت صحة أي من تلك الذرائع بعد مرور عام من البحث وبعد إنفاق الملايين، جاء لنا بوش بذريعة جديدة وهي تنصيب حكومة ديمقراطية في العراق.
ولمدة عام كامل دأبت إدارة بوش على إنكار أن هناك حركات مسلحة سيطرت على الوضع الداخلي في العراق، حيث رأت الإدارة أن ما يحدث هناك ليس مجرد إلا محاولات يائسة يقوم بها فلول حزب البعث العراقي المنحل ومجموعة من المتشددين الإسلاميين الذين يعملون على قتل الأميركيين.
وبعد ذلك اعترفت الإدارة على مضض بأن هناك نشاطا مسلحا دائرا في العراق، لكنها ردت عليه بحملة ركزت فيها على استخدام القوة الوحشية واقتحام المنازل وتفتيش العائلات واعتقال الرجال المدنيين بالمئات ووضعهم في السجون بلا تحقيقات، وهي كلها محاولات ليست لها علاقة بالأساليب المعروفة لمكافحة حركات التمرد الداخلية بل إنها على العكس أدت إلى زيادة قوام الحركات المسلحة.
ثم جرت الانتخابات وفازت بها بشكل ديمقراطي غالبية شيعية سيطرت على الحكومة والبرلمان.وفي غضون ذلك كله اندلعت حرب أهلية طائفية يدفع ثمنها إلى الآن المدنيون الأبرياء من الشيعة والسنة والأكراد إضافة إلى عمليات التطهير العرقي التي طالت أحياء عراقية بكاملها في العاصمة وخارجها. وعلى الرغم من كل ذلك أنكرت الإدارة الأميركية أي وجود لحرب أهلية في العراق.
ثم انتقل تركيزنا بعد ذلك إلى تدريب وتسليح كتائب الجيش العراقي ووحدات الشرطة العراقية كي تضطلع بمهام الأمن ومن ثم تستطيع وحدات الجيش الأميركي الانسحاب تدريجيا من العراق.
غير أن حقيقة الوضع أشارت إلى أن كل الجهود التي بُذلت في هذا الصدد كان ينقصها الدعم الكافي والإدارة الجيدة في الوقت الذي رفضت فيه بعض الوحدات العسكرية العراقية القتال بجانب الأميركيين وانضمت وحدات أخرى إلى عمليات التطهير العرقي، وهي الأمور التي واجهها الرئيس الأميركي ونائبه ووزير دفاعه حينذاك دونالد رامسفيلد بعبارات من التفاؤل واليقين من النصر!!
وجاءت صلات حليفنا رئيس الوزراء العراقي نور المالكي السياسية بالميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران والتي تسللت بشكل أو بآخر إلى الوزارات الحكومية-جاءت لتعوق جهوده بشكل كبير. وكشفت القوات الأميركية عن وجود سجون سرية لوزارة الداخلية العراقية يتعرض فيها عدد كبير من السنة العراقيين إلى تنكيل وتعذيب لم يسبق له مثيل. وأشارت الإحصائيات إلى أن عدد المعذبين والذين يجري إعدامهم من هؤلاء كل صباح يصل إلى مئة شخص يوميا.
لقد كان هناك تصريح شهير لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني منذ سنتين يقول فيه إن الحركات المسلحة العراقية أضحت في «الرمق الأخير»، على حد تعبيره. وطفق الرئيس الأميركي ينفي أي مقارنة بين حرب العراق والحرب التي خسرتها أميركا في فيتنام، بل أنه نفى أي تقارير لا تؤكد استمرار نهجه في العراق.
لقد جاءت لجنة هاميلتون ـ بيكر بحل جديد للوضع في العراق بعد دراسة للموقف هناك دامت تسعة أشهر، حيث أوصت ببدء تقليص للقوات الأميركية مع التعويل على فتح مفاوضات دبلوماسية مع سوريا وإيران ودول الجوار الأخرى.
وبهذا منحت بوش وسيلة النجاة من الرمال المتحركة التي وضع هو أميركا فيها، غير أن الرئيس الأميركي لم يُعر اهتماما بتلك التوصيات واختار زيادة القوات في العراق ورفعها من 130 ألف جندي إلى 160 ألفا حاليا بل أنه من المنتظر زيادتها إلى 171 ألفا خلال الخريف الحالي.
الهدف من الزيادة كان استخدام القوات الأميركية لتوفير بيئة سلمية مستقرة حول بغداد تتيح لحكومة المالكي والبرلمان العراقي تحقيق عدد من الأهداف، أهمها هو بدء عملية تصالح تضم الطوائف المتناحرة في العراق.
و في الوقت الذي من المقرر أن يقوم فيه قائد القوات الأميركية الجنرال دافيد بيترايوس والسفير الأميركي في العراق ريان كروكر بإحالة تقرير للكونغرس في الحادي عشر من سبتمبر حول نتائج هذه الزيادة، فإننا نعلم مسبقا أن المساعدين السياسيين لبوش- بيترايوس وكروكر- سيكتبان التقرير الذي كان يأمله بوش من البداية!
وخلال الأسابيع الأخيرة شاهدنا وجهين للرئيس بوش. ففي مؤتمر صحافي في كندا اعترف الرئيس الأميركي بأنه في الوقت الذي تحسن فيه الوضع الأمني بفضل زيادة عدد القوات، فإن الحكومة العراقية لم تحقق التقدم المرجو. وبعد ذلك بيومين، تحدث بوش باستفاضة في مؤتمر عقد بمدينة كنساس عن الحاجة إلى البقاء في العراق إلى أجل غير مسمى.
ودعا بوش إلى الالتزام بالصبر من أجل تحقيق الانتصار المرجو في العراق وبشكل مفاجئ ضرب لنا مثالا بما حدث في فيتنام وانسحابنا من هناك بعد 10 سنوات من القتال وبعد مقتل 58249 جنديا، قائلا إن ما حدث في تلك الحرب يبرر تمسكنا بسياستنا الحالية في العراق.
ثم أطلق العنان لنفسه في استخدام تكتيكات التخويف البالية المعروفة عن إدارته، حيث قال إن الاستمرار في هذه الحرب سيمنع حدوث مجزرة يروح ضحيتها ملايين من العراقيين وسيمنع تعرض أميركا لهجمات يشنها تنظيم القاعدة الذي بدأ إعادة تنظيم صفوفه بقوة، على حد قوله. كلما تغيرت الأمور داخل الإدارة الأميركية، فإنها تبقى للأسف كما هي.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل: «البيان»
