سبقت النيران السياسية الأراضي اليونانية قبل أن يغزوها لهيب النيران الطبيعية القادمة من مجهول غامض، حيث لا تزال الأصابع موجهة إلى من يهمه الأمر، باعتباره متهما في لعبة الحرائق المهلكة والمدمرة.

ابسط ما تم وصفه لتلك المأساة الإنسانية والاقتصادية، أنها واحدة من اكبر الكوارث البيئية للغابات في كل أوروبا، بينما وصفها اليونانيون أنفسهم بأنها اكبر كارثة حلت بهم في كل تاريخ اليونان، وراحت الصحافة تردد تعبيرات وتشبيهات متعددة.

احدهم وصفها بأنها مثل كارثة أحداث الحادي من سبتمبر، والبعض قال عنها إنها أشبه بكارثة إعصار كاترينا، والبعض فضل أن يقول بأنها تسونامي يوناني. ولكن أفضلهم ذلك العجوز الذي رد على أسئلة مقابلة تلفازية عندما قال، «إنها أشبه بالحرب ولكنها بدون بنادق».

وبالفعل عندما مر شريط العدسة وهو يلامس أجساد الغابات المحترقة والسيارات والبيوت المتفحمة، نشعر وكأنها قنابل حارقة سقطت من طيران عدو مقاتل. لقد أيقظت تلك الكارثة لدى اليونانيين مشاعر جيرانهم الرومان، فقبل أسابيع قليلة هاجمت جنوب ايطاليا نيران شديدة، دفعت بالسياح نحو البحر والاعتصام بالمياه.

ولكن رياح تلك الغابات والنيران المتطايرة لم تمنعها من الرحيل نحو كرواتيا المجاورة، إذ عبرت ايفاستوس (رمز النار في الميثولوجيا الإغريقية) البحر الادرياتيكي حتى لامست مناطق جنوب أثينا، ثم رحلت بأجنحتها المميتة نحو شبه جزيرة البيلوبونيز. فهل بإمكان الإغريق نسيان محنة جيرانهم الرومان وهم يطفئون حريق روما في زمن نيرون؟

جميعنا يدرك كم للنار من معنى، فهي مقدسة كالماء لدى الشعوب القديمة، وهي في ذات الوقت لعنة بيئية حيكت حولها قصص أسطورية،ولكننا ما عدنا في زمن الطيور المجنحة ولا التنين الواقف عند بوابة الجحيم، ولا السيكلوب المخيف الذي حاول منع اوديسيوس العبور نحو ايثاكا.

ما فعلته الأعمال الخارقة في عالم الأسطورة عجز الإنسان عن فعله في الواقع، ولكنهما معا إنسان الزمن القديم والمعاصر واجه قدره، بفاعلية العقل والحيوية والإنتاج، فكان عليه أن ينتصر في نهاية المطاف على كوارثه، وان ينهض من بين رماد العنقاء ليبني كل ما دمرته تلك النيران المتوحشة وهي تلتهم في طريقها الأخضر واليابس.

ما يهمنا في هذه المقالة ليس إعادة إنتاج ما كتبته الصحافة ووكالات الأنباء عن حجم الخسائر، وإنما عن نتائج تلك النيران على الواقع السياسي الانتخابي القادم، وما الذي فعلته قبرص الصغيرة مع شقيقتها الكبرى، حيث كان دائما يعيش الحنين التاريخي بين القبارصة اليونانيين والأرض الأم، كمشاعر قومية وتاريخية عميقة لا يمكن نسيانها وقت السلم، فكيف ستكون وقت المحنة والكارثة؟.

لقد التهمت النيران أكثر من 65 إنسانا ومئات الهكتارات من الأراضي الزراعية والغابات، مثلما دمرت العديد من القرى والمناطق السياحية والمنتجعات، وبذلك مست اقتصاد وعصب منطقة البلوبونيز.

حيث لم تنته بعد الإحصاءات الرسمية من تعداد دقيق للخسائر المادية ونتائجها البعيدة المدى، فمع احتراق كل غابة تحتاج المنطقة لإعادة زراعتها لعقود طويلة، تبلغ أحيانا نصف قرن حسب كمية سقوط الأمطار وغزارتها، فعلى الأقل، لا تقل كل شجرة لكي تعود بحجمها السابق اقل من ربع قرن. وبذلك تحتاج المنطقة لفترة طويلة إلى عودة الروح إليها من هذه الكارثة العظمى.

وإذا ما عرفنا أن جزر البلوبونيز تحتضن في منطقتها آثارا تاريخية قديمة، ليس كونها مسقط الألعاب الاولمبية وحسب، بل ولكونها غنية بتاريخ اسبرطة وحروبها وتلك الأديرة والقلاع التاريخية القديمة، والتي تعود لحقبة الفينيقيين والإمبراطورية العثمانية وغيرها من حضارات دول الجوار، فقد كانت الجزيرة - قبل أن تربط بالأرض الأم بجسر - موقع حيوي للعابرين من الشرق الأوسط إلى روما ووسط أوروبا.

من زار تلك المناطق المحترقة يتحسر على أشجار الزيتون، فهي من أهم مصادر المنطقة اقتصاديا، ففي منطقة «كالاتيا» يوجد أفضل نوع من الزيتون في كل اليونان، فهل تعيش المنتجعات والشواطئ الرائعة فيها بدون رائحة زيت الزيتون «الكلاتي» الذي تفوح رائحته من المطاعم المتناثرة عند المنتجعات السياحية؟.

لقد أيقظت ايفاستوس بلعنتها المدمرة عيون الساسة، فوجدوا في الكارثة ورقتهم، فبدأت الأحزاب وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي بالهجوم الشديد على حكومة باباندريوس، الذي سبق وان قام بتقديم فترة الانتخابات لمدة ست أشهر من موعدها المقرر، للخروج من أزمة تلاحق حكومته والأداء العاجز عن حل مشاكل كثيرة في اليونان.

وباندلاع هذه الكارثة تكون حكومة باباندريوس أمام مدافع النقد الشديدة في طريقة تعاملها البطيء مع الحرائق، وفي قرارها المتراجع في التحرك لاحتواء لهيب النيران، فجاءت قرارات الطوارئ متثاقلة، كما أن استدعاء العالم الخارجي، خاصة الاتحاد الأوروبي لم يكن متناسبا مع حجم الحرائق، فبدت القدرات الداخلية اضعف من مستوى سيطرتها على الكارثة.

ما يهم المعارضة السياسية في الشارع اليوناني هو اصطياد مزالق ونقاط ضعف الحكومة، التي يقودها حزب الديمقراطية الجديدة، وهو من الأحزاب اليمينية المحافظة.

ومن سوء القدر أن مناطق الحريق تعتبر واحدة من أكثر المناطق ارتباطا بتقاليدها المحافظة وتأييدها لليمين الحاكم، مما أدى إلى تراجع ناخبيه بقدر لا يحسد عليه، مما ستؤثر على نتائجه الانتخابية، فما بالنا في مناطق اليونان برمتها، حيث بدأت موجات الاحتجاج والتظاهر تعلن بأصوات صاخبة سقوط الحكومة، وبضرورة تنحيها لعجزها عن إنقاذ حياة أناس كثيرين وتشريد الآلاف من سكان المناطق المتضررة.

ما فعلته الدول من تضامن أنها بعثت بفرق الإغاثة، وأبدت استعدادها لتبني مشاريع إعادة التعمير، وقد كانت ثلاث قرى أساسية أصيبت بدمار كامل من ضمن قرى كثيرة، وتعتبر قرية «ارتيميدا» الأكثر تضررا من القرى الثلاث، فأعلنت الحكومة القبرصية أنها معنية بتعمير القرية بالكامل وإعادتها بمستواها السابق لسكانها، وبأنها لن تبني المساكن والمرافق الأخرى وحسب بل وستوفر مشاريع للسكان تحقق وضعا اقتصاديا يعوضهم عن خسائرهم التي تسببت «ايفاستوس» بفعلها.

ليس من السهل أن يخسر زوج زوجته وأطفاله الأربعة في هلاك الحريق، بل وهناك خسائر بشرية اقل، ولكنها الأكثر تراجيدية موت الجدة وحفيديها وهي تقاوم النيران، عبر منافذ ضيقة في الجبال هربا من لعنة ايفاستوس، التي يستثمرها الساسة في لعبتهم الانتخابية القادمة.

وعلى أنقاض الخرائب والحرائق، تصعد بورصة الساسة أو تنهار بينما الرياح المدمرة للحرائق كانت تهز تاريخ اسبرطة وأعمدة الاكربوليس في أثينا، فيغزو الحزن كل بيوت اليونان وملحقهم الصغير جزيرة قبرص المقسمة.

وحدها لحظة المحنة تعبر عن حقيقة الشعوب، ومدى تضامنها الفعلي، وليس المهم حجم هذا التضامن، وإنما الموقف المعبر عنه في تلك اللحظة. لهذا لم ينس القبارصة كم كانت اليونان حضنا لهم جميعا، في محنة الغزو والتقسيم الموجعة.

كاتب بحريني