في أقل من ثلاثة أيام، يطل خيط أمل آخر، يعزز احتمالات الانفراج، في لبنان. يوم الجمعة كانت مبادرة رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وأول من أمس حسم الجيش معركة مخيّم نهر البارد، بعدما قضى على آخر معاقل «فتح الإسلام» فيه، وأنهى تحريره. جرعتا إنعاش متتاليتان، لوضع انفراجاته عادة شحيحة وبطيئة، فهل يقوى الوضع اللبناني المأزوم، على هضم هذا التطور المزدوج والانتقال بالتالي إلى سكّة استعادة عافيته؟
حسم معركة مخيم نهر البارد، أول من أمس، بعد 105 أيام على انفجارها وكلفة حوالي 150 قتيلاً من أفراد وضباط الجيش، انطوى على عدة أبعاد، وحمل أكثر من معنى ومغزى، بالتأكيد البعد الأمني كان شديد الأهمية. لقد قطع الطريق على نشوء وضع يهدد البلد في الصميم.
لكنه ليس البعد الأهم. فمثل مواجهة كهذه في ظروف كالتي يعيشها لبنان منذ فترة، كان يمكن أن تتحول إلى مدخل لفوضى، إن لم يكن لتفكك قاتلين. الساحة منقسمة بعمق. تعصف بها انفعالات وعصبيات قوية. تحوّل معها لبنان إلى ساحة سريعة العطب، مع ذلك وبالرغم من طول المواجهة وحجم خسائرها، احتفظ الوضع بتماسكه. وبدلاً من أن تزداد هشاشته، كشف عن ازدياد مناعته.
الخلاصة أن الخميرة الوطنية بخير. وفي ذلك رصيد وضمانة كبيران، لا بدّ من تكريسهما في عملية البحث عن مخرج للأزمة المستبدة به منذ حوالي 3 سنوات، والتي تقترب من مواعيد فاصلة.
مبادرة الرئيس بري استثارت ولا تزال ردود فعل مشجعة. في أقله كانت مدار اهتمام واسع، الكل تعامل معها على أساس أنها تشكل «دعوة» أو «مدخلاً» إلى البحث عن صيغة تسوية وتوافق، حتى اللحظة لم تصدر إزاءها كلمة «لا» قاطعة.
في أضعف الحالات هي مدار درس وتمحيص جادين، طرحها كقاعدة وليس كصيغة جامدة، عزّز فسحة التفاؤل، والآن يأتي طي صفحة «البارد» ليشكل رافداً آخر في تسكين الغليان، الذي رفع الاستحقاق الرئاسي من درجة حرارته، خاصة وأن الرافد هذا كشف عن قابلية الوضع لحماية وحدته الوطنية عندما تكون هذه على المحك.
بالتفافه وصموده وراء جيشه الوطني، في معركة لها جوانب شديدة الحساسية، يشيان بأن الأرضية جاهزة لقبول واحتضان أي توافق يتم التوصل إليه بالحوار، الأمر الذي يرمي الكرة مرة أخرى في ملعب الأطراف السياسية اللبنانية، على مختلف تلاوينها. لقد شطحت الأزمة وطالت حتى بات البلد ينوء تحت ثقل أعبائها وهمومها.
وعلى كل حال، هجوم الاستحقاقات التي لا تقبل التأجيل، لم يعد يسمح بالمزيد من الإطالة. وعندما تكون الأساسيات على المحك، كما هي الآن، عندئذٍ لابد وأن يكون قد حانت لحظة تقديم الحسابات الكبيرة على الصغيرة، اللعبة السياسية صارت في نهاياتها، أو هكذا ينبغي أن تكون. بعد صدمتين إيجابيتين، صار المطلوب فتح باب الانفراج. سخونة «البارد» جرى تبريدها. الآن جاءت لحظة تبريد الجبهة السياسية.
