استطاعت كوريا الشمالية أن تنزع مشروع سلاحها النووي وهو انتصار لأميركا، ولم يكن هزيمة للكوريين، وقد يكون الدور المباشر للصين التي استطاعت أن تكون المؤثر في تلك الجدليات، ومع أن كوريا لديها فرص التواصل مع العالم الخارجي، والحصول على امتيازات الدولة التي لن تتعرض لحرب جديدة، وإنما للمشاريع الاستثمارية الكبيرة من جوارها المتقدم، سواء جاءت من شطرها الجنوبي، أو الصين واليابان، وبدون شك فإن القيادة هناك وازنت بين المغامرات والعقل، ورجحت الأخيرة.

إيران متشابكة مع أميركا بما يشبه الوضع مع كوريا حول تطلعها لامتلاك سلاح نووي، وإذا كانت الباكستان فجرت قنبلتها زمن الثنائية القطبية، فإن تكرار تلك المواقف بما فيها من الفرص قد لا تتوفر لإيران، وإن كانت في ظروفها الاقتصادية ومداخيلها وموقعها ما يجعلها تفترض امتلاك التقنيات المتقدمة، بصرف النظر عن الغايات، ومستبعدة أي ضربة من أميركا، والتي لا يعرف أحد نواياها المستترة.

طبيعي أن تكون أميركا في حالة انعدام الوزن، عندما تأكدت هزيمتها في العراق، وتدهور معنويات جيشها، والضغط المباشر من الرأي العام هناك، وربما من هذه الأسباب تشجعت إيران أن تدخل معها في محاولة كسر الذراع، لكن الجريح هذه المرة دولة عظمى يقودها محافظون لا يبالون بالنتائج، طالما لديهم قناعة بالغايات، وهنا يأتي الحذر والخوف من مغامرة أكثر حماقة، إذ الرعود والبروق الأميركية، وخلفهما ما يسرّب لوسائل الإعلام أو استقراء أفكار الساسة في البيت الأبيض والبنتاغون عن محاولة تدمير الآلة العسكرية الإيرانية، وخاصة مفاعلاتها النووية قد تكون على جدول أعمالهم، والخطأ أن لا تكون هذه التقديرات موجودة في صلب السياسة الإيرانية.

دول الخليج لها مخاوفها المبررة، فهي ضد أي حرب تتجه لإيران لأن النتائج ستكون مدمرة، ولا تقبل أن تجاور دولة نووية لم تتضح غاياتها من امتلاك هذا السلاح، بنفس الوقت ليس بقدرتها منع أميركا من التصرف بشكل أحادي، بناءً على سوابق غزوها العراق وأفغانستان.

لقد جرت حوارات بالوسطاء، بين الطرفين، وتمت لقاءات مباشرة، لكن الحلول صاحَبَها مساومات على تنازلات لم يقبل بها أي منهما، وهنا قد تأتي دوافع أميركا أكثر إصراراً لأن إسرائيل تقع في عمق القضية، والمعادلة هنا قد لا تراعي موقف الدول الخليجية أو غيرها الرافضة بقيام حرب جديدة، لكن بوش يريد أن يحصل على أي انتصار، فهو على الجانب العربي، يفتح الباب لمؤتمر دولي حول فلسطين والقضايا الأخرى في المنطقة، ثم إن إضافة بُعد آخر للأزمات بعد تأثر الاقتصاد الأميركي والدولي بسبب الرهن العقاري، قد تكون دوافع لإنفاذ قرار الحرب، والدلائل تشير إلى أن الضغوط التي يواجهها الحزبان المتنافسان من قبل إسرائيل، ومؤيديها، جعلت الأهداف تتلاقى على مثل هذه المغامرة.

الأمر خطير، ولا تبدو بالأفق إشارة للأمل تمنع الكارثة إذا ما حدثت وفق ما تخطط لها الولايات المتحدة، ومع أن (البراغماتية) الإيرانية شديدة الحساسية والذكاء عند الساعات الأخيرة عندما يتم قلب المواقف، إلا أن الخشية أن يعاد سيناريو الحرب مع العراق، باعتبار الظرف تغير، ليجري تدمير البنية الأساسية للمشروع النووي، وقد يكون مثل هذا الرأي قائماً إذا ما شعر بوش أنه جريح الزمن الصعب في سنوات رئاسته للدولة العظمى.