كان من المنطقي جدا أن يقع اختيار المجموعة العربية في النداء العالمي من أجل مكافحة الفقر على الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم وتعيينه سفيرا للفقراء في العالم إلى جانب نيلسون مانديلا ليصبح بذلك الناطق باسم فقراء العالم العربي في المحافل الدولية.

فالتصاق نجم بالفئات المسحوقة من أبناء شعبه وبالقضايا العادلة لشعوب العالم معروف، وربما كان تمسكه بالعيش في وسط الفقراء خير دليل على إيمانه الراسخ بالقيم الإنسانية بعيدا عن أي تشويه ألحقته بها ما تسمى بلغة العصر المعبرة عن فردية مقيتة لا تعترف بتلك القيم وتزدري من يمارسها، لا بل تهاجمها ليلا ونهارا وتعتبرها من مخلفات ماض لا يستحق عناء الرجوع إليه أو الأخذ بالكثير من مضامينه المشرقة.

وذلك لا لشيء إلا لقطع الطريق على التسلل المنطقي في وجدان الناس بغية احداث فجوة بين ذلك الماضي والحاضر المعيش، ما يؤدي بالضرورة إلى فقدان إحدى الحلقات الجوهرية في مسار تشكل الوعي المجتمعي، ومن ثم تمهيد الطريق أمام جميع الاختراقات المحتملة.

لا مكان للشك بأن قضية الفقر والفقراء من أنبل القضايا الإنسانية، إن لم تكن أنبلها على الإطلاق، فمهما تعددت المظالم وتنوعت أشكال الاضطهاد والاستعباد وتشعبت دروبها وتلوت طرقها في شتى ميادين الحياة، إلا أن الفقر يبقى جديرا بتصدر قائمتها جميعا، لما يعكسه من ظاهرة إنسانية صرفة ولا دخل لأي عوامل طبيعية فيها، حيث لا وجود للفقراء إلا ارتباطا بوجود آخرين أغنياء يعيشون على أكتافهم ويمتصون دماءهم بلا رحمة أو شفقة بطريقة تتنحى معها جانبا سائر القيم والمشاعر الإنسانية.

وقد يصح القول إن ظاهرة الفقر مرتبطة بشكل وثيق بالاستغلال الطبقي، الذي تمارسه بعض فئات مجتمع ما على فئات أخرى من المجتمع نفسه، لكن هذه الظاهرة الاجتماعية تجاوزت هذه الحدود التقليدية منذ زمن وراحت تمارس بين الأمم والشعوب، بعد أن رسخت جذورها واستوفت شروطها وأصبحت تتمتع بقوانين صارمة داخل كل مجتمع على حدة، وانتقلت إلى طور جديد غير مسبوق ربما تكون أفضل تسمية له هي «الاستغلال الأممي».

وهذا يعني أن المجتمع الإنساني المكون من مجموع الشعوب والأمم على امتداد الكرة الأرضية بات يشهد بين ظهرانيه نوعا من الاستغلال المزدوج يمارس فيه الأغنياء في هذا المجتمع أو ذاك استغلالهم ضد الفقراء من أبناء جلدتهم،.

ومن ثم أو في الوقت نفسه يقوم هؤلاء جميعا، أغنياء وفقراء على حد سواء، باستغلال مجتمع آخر بفقرائه وأغنيائه أيضا، أي أن ممارسة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان في هذا الطور لا تقتصر على الفئات الغنية فحسب وإنما تمتد إلى الفئات الفقيرة أيضا، التي تصبح مستغلة- بكسر الغين- بدورها.

ما تقدم يضفي على ظاهرة الفقر صبغة إنسانية ليس بمعناها القيمي فحسب وإنما بمعناها الجغرافي أيضا، وهذا بالذات ما يفسر ظهور شخصيات وحركات ،وقبل هذا وذاك، أديان في تاريخ الإنسان دعت إلى مواجهة ظاهرة الفقر ومحاربتها ومحاولة المساواة بين الناس، ولقد كان لتلك التحركات والمحاولات وقع كبير بين ثنايا الوعي الإنساني، الذي لا تزال تسمع فيه أصداء مقولات لا تنسى على غرار ما نُسب الى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين قال: «لو كان الفقر رجلا لقطعت رأسه».

المفارقة هنا هي أن اختيار الشاعر أحمد فؤاد نجم لهذه المهمة التي تبدو مستحيلة، يتزامن مع ظهور تقرير أميركي حول الأوضاع المعيشية للناس وانخفاض الدخل إلى معدلات غير مسبوقة خلال السنوات الست الماضية .

ويؤكد أن أعداد الفقراء زادت خمسة ملايين خلال الفترة نفسها، فضلا عن أن عدد الذين يفتقرون إلى الضمان الصحي بات 47 مليون شخص، بينما تردد الأوساط الرسمية الأميركية قصة الأغنياء والفقراء التقليدية وإمكانية تبادل المواقع الطبقية بسهولة، وهذا لا يقتصر على بني البشر .

وإنما يطال الحيوان الأميركي أيضا، فلقد ذكرت الأنباء أن ثرية أميركية توفيت، مؤخرا، أورثت كلبها الصغير 12 مليون دولار، بينما لم تورث أي شيء لاثنين من أحفادها الأربعة وتركت لسائقها 100 ألف دولار. لكن لا يمكن لفصول هذه المفارقة المأساوية أن تكتمل إلا إذا عدنا بالذاكرة إلى قصيدة كتبها نجم منذ عشرات السنين تحت عنوان «هم مين واحنا مين» والتي تؤكد على المضمون الإنساني لظاهرة الفقر.

bassil@albayan.ae