أثناء استقباله وفدا من صيادي الأسماك البحرينيين الأسبوع الماضي قال رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة إن الحكومة لن تسمح بالإضرار بمصالح الصيادين أو تهديد رزقهم أو فقدانه أو تهديد ديمومة الثروة السمكية ذاتها وسلامة البيئة بسبب المنافسة الشرسة أو التصرفات غير المسؤولة من الدخلاء على المهنة.
كما أشار سموه إلى أن البحر سيظل للبحرينيين وأن وجود النوخذة البحريني على متن سفن الصيد هو أكبر ضمانة لمنع استنزاف هذه الثروة.
وقد جاءت هذه المواقف بعد تحرك الصيادين في السنوات الأخيرة للدفاع عن مصالحهم إزاء التهديدات الكثيرة التي تواجهها هذه الحرفة الوطنية القديمة. وقد ثمنت اللجنة الأهلية للدفاع عن البحارة المحترفين هذا الموقف الداعي لحماية الذين يزاولون المهنة بأنفسهم، وطالبت جميع الصيادين بالتماسك فيما بينهم من أجل تحقيق مصالحهم وخدمة أهدافهم بعيداً عن المصالح الفئوية.
والحقيقة أن الواقع المرير الذي يعيشه قطاعا الصيادين والمصايد السمكية في البحرين قد نال اهتمام الأكاديميين من اقتصاديين واختصاصيي البحار والثروة السمكية، فأصدر مركز البحرين للدراسات والبحوث وغيره عدداً من الدراسات في محاولة لمعالجة أوضاع القطاع وتطويره.
وفي هذا المجال، كما في مجالات الحياة الأخرى يصدق المثل القائل: «ما حك جلدك غير ظفرك». وفي ظروف التوجه المتسارع في بلادنا نحو فتح «حرية» المنافسة إلى أقصى مدى.
والتي قد تعني حرية القوي أمام الضعيف إذا ما أطلق لها العنان لأن تعمل بعفويتها العمياء فالأهم من بين كل العوامل الأخرى ( تشريعات حماية الصيادين والثروة السمكية والبيئية) هو تجمع الصيادين في إطار مؤسسة اقتصادية تعاونية لا تقوم على أساس الدفاع عن مصالح الصيادين فحسب ، بل واقتسام هذه المصالح بين مزاولي المهنة أنفسهم وبدون استغلال من قبل المتطفلين على المهنة.
وقد عرفت البشرية التعاونيات كحركة اجتماعية اقتصادية من نوع خاص قبل أكثر من مئتي عام. وفي الوقت الحاضر تحولت التعاونيات إلى واحد من أكثر عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جوهرية في كثير من بلدان العالم. وحسب معطيات الاتحاد الدولي للتعاونيات يوجد القطاع التعاوني في أكثر من مئة بلد في العالم. ويبلغ تعداد الأفراد الأعضاء في هذه التعاونيات بشتى أنواعها ما يزيد على 760 مليون عضو.
وللاتحاد صفة استشارية لدى الأمم المتحدة، ويقوم بالتعاون مع عدد من الأجهزة المتخصصة في منظمات الأمم المتحدة ويشارك في عمل دورات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، اللجان الاقتصادية لأوروبا وأميركا اللاتينية، منظمة العمل الدولية، منظمة الغذاء العالمي ( الفاو)، اليونسكو وغيرها.
وتقوم لجانه المتخصصة بدراسة المسائل المتعلقة بالنشاط التعاوني في قطاع الزراعة وصيد الأسماك بالدرجة الأولى، وكذلك فيما يتعلق بالتعاونيات في مجالات التأمين والمصارف والإسكان وتجارة الجمعيات الاستهلاكية والتعاونيات العمالية الإنتاجية والحرفية. ويصدر مطبوعاته الخاصة مثل «Agricultural Co-operative Bulletin» وغيرها.
وعربيا فقد أكد الخبراء العرب الذين عالجوا في العاصمة العمانية مسقط قبل أكثر من عامين ( أغسطس 2005) مسائل التنسيق بين السياسات والإجراءات والنظم والتشريعات المتعلقة بتجارة مستلزمات الإنتاج السمكي في الدول العربية من جديد على أهمية تشجيع ودعم قيام الجمعيات التعاونية للصيادين ومزارعي الأسماك في مجالات التسويق المتخصصة لتطوير إنتاج وتسويق مستلزمات الإنتاج السمكي.
البحرينيون من أجيال الخمسينات والستينات والسبعينات خبروا مبادئ الاقتصاد التعاوني بتجربتهم الخاصة في المدارس الابتدائية. كنا نشتري أسهما في مقاصف المدارس، وكنا نتناوب لنبيع على أنفسنا بأنفسنا، ونتقاسم في نهاية العام أرباح نشاطنا التعاوني. ولا نزال نذكر كم كان هذا النشاط يشد أزر أبناء الأسر الفقيرة ويشدنا إلى بعضنا وإلى مدرستنا.
انقرضت هذه الظاهرة مع زحف «حرية» المنافسة وانقرضت معها من المدارس منافع اقتصادية ذات إيجابيات اجتماعية وثقافية. كما عرفت البحرين نماذج أخرى أكثر تعقيدا من التعاون الاستهلاكي في شكل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية التي لا يزال لم يسعفها الحظ في أن تأخذ مكانا ذا شأن في الاقتصاد.
علينا أن ننطلق من الاعتراف بأن مملكتنا متأخرة كثيرا بعدم إدخال النمط التعاوني في مجالات الحرف الإنتاجية والخدمية التقليدية في الاقتصاد الوطني كالصيادين والمزارعين وسائقي سيارات الأجرة وغيرها من قطاعات الاقتصاد غير المنظم، في حين تزداد الحاجة إلى قيام مثل هذه التعاونيات أمام خطر تهديد المنافسة الحرة. وأننا بحاجة إلى خطوات جريئة لإدخال هذا النمط في اقتصادنا.
لسنا بحاجة إلى أن نكتشف الدراجة من جديد، إذ أن هناك من التجارب العالمية والعربية وحتى الخليجية ما يمكن الاستفادة منه لنوفر الجهد والتكاليف، ولننتقي الأفضل.
ولنبدأ من الأخير. ففي الأسبوع قبل الماضي فقط تم في الغرفة التجارية بجدة في المملكة العربية السعودية الاتفاق بين ممثلي مصالح مختلفة على تنفيذ سبعة برامج لخدمة قطاع الصيد في مكة المكرمة.
من أهمها برامج لتأسيس جمعيات تعاونية للإدارة والإشراف على الأسواق وعقد ورش عمل وندوات لتثقيف العاملين في القطاعات البحرية وبحث سبل الاستفادة من الاستزراع السمكي. كما تشمل تنمية وإعادة تأهيل واستثمار مراسي الصيد في المنطقة والبالغ عددها 30 مرسى، وتدريب وتوعية الصيادين الجدد والقدماء.
ومنذ صدور قانون التعاون لسنة 1976 بدأت في دولة الإمارات العربية المتحدة تأسيس الجمعيات التعاونية في مختلف المجالات الاستهلاكية وصيد وتسويق الأسماك وفي الإسكان التعاوني. وقد تلقت هذه الجمعيات دعماً من الدولة بلغ فيما بين عامي 1977 و 1988 حوالي 12 مليون درهم.
وقد أوقف هذا الدعم بعد أن وقفت الجمعيات التعاونية على أقدامها. وقد أشار د. محمد الرميثي في دراسة عرضت في ملتقى إعادة تفعيل دور التعاونيات في دول الخليج قريبا أن دعم التعاونيات والمنتجين في قطاع الصيد البحري والزراعة أعطاهم ميزة تفاضلية نسبية ووفر لهم فرصة تنافسية مميزة لتحسين جودة منتجاتهم من ناحية ولتخفيض أسعارهم من ناحية أخرى. وتعتبر تجربة جمعية صيادي الأسماك في أبوظبي تجربة تستحق الدراسة للاستفادة منها.
وقد عاشت الأردن تجربة متميزة في الحركة التعاونية منذ صدور أول قانون للتعاون رقم (39) لسنة 1952 الذي أسست بموجبه دائرة الإنشاء التعاوني. وقد مرت التجربة بعدة مراحل : 1963 ـ 1972، 1973 ـ 1992، وأخيرا المرحلة الرابعة ما بين عامي 1993 - 2002 .
وقد شهدت هذه المرحلة صدور قانون التعاون رقم (18) لسنة 1997 الذي أنشئت بموجبه المؤسسة التعاونية الأردنية كمؤسسة رسمية تتمتع بشخصية اعتبارية ذات استقلال مالي و إداري . كما صدر نظام الجمعيات التعاونية رقم (13) لسنة 1998. ودون الاستفاضة فيها الآن فإنها تجربة أخرى تستحق الدراسة أيضا.
إذن، فإن أمامنا من المعالجات النظرية والتجارب العملية العالمية ما يكفي للتفكير في البدء بخطوات جدية كي يكتسب النمط التعاوني مكانه ومعناه في اقتصادنا الوطني قبل أن تصبح قطاعات وطنية وشرائح اجتماعية بأكملها مهددة بالزوال أمام زحف السوق بكل قسوتها.
كاتب بحريني