الحراك السياسي الذي أطلقته مبادرة رئيس المجلس النيابي، نبيه بري؛ بدا وكأنه يحمل في ثناياه إمكانية انفتاح كوة في جدار الأزمة اللبنانية. على الأقل هذا ما أوحت به الردود المتعاقبة حتى اللحظة، من جانب سائر الفرقاء اللبنانيين.

بمقاييس هذه الأزمة وتعقيداتها والانسداد المديد الذي استحكم بها؛ يعتبر ذلك بمثابة نقلة أو خطوة، قابلة لأن تكون من النوع الواعد. فهي حتى اللحظة ليست مرفوضة من جانب أي فريق. ولو أنها ليست مقبولة بالكامل، من الجميع. جهات لبنانية متنوعة أبدت تحفظها. الغالبية طلبت بعض الوقت لتمحيصها قبل اتخاذ موقف منها.

وبذلك فهي لا تزال في التداول. وطالما هي باقية في إطار البحث والأخذ والرد؛ طالما احتفظت بالقابلية لتكون جسر العبور نحو ضفة الحلحلة المرجوة. الاهتمام الذي حظيت به يعطيها من الزخم ما يجعلها مرشحة للتفعيل. هنا تكمن أهميتها.

المبادرات في السابق كانت تسقط وتتلاشى. فور ولادتها. هذه المرة أخذ العرض شحنة من الاستمرارية. ربما لأن ضغط اقتراب الاستحقاق الرئاسي بدأ يفعل فعله. خطوط الاتصال ولو غير المباشر، انفتحت من جديد. وفي ذلك بداية ضرورية للبحث عن نقاط تقاطع وجوامع مشتركة، لتسوية وفاقية حول الموضوع الرئاسي؛ نظراً ما لهذه المحطة من أهمية حيوية في مسار الأزمة.

البديل: الوقوع في الفراغ. وهو خيار لا يقوى الوضع اللبناني على السباحة في بحره. صحيح أن أجواء الحذر والتريث لا تزال غالبة على المشهد السياسي اللبناني، في أعقاب المقايضة التي عرضها رئيس المجلس ـ تراجع المعارضة عن مطلب بتشكيل حكومة وحدة وطنية قبل انتخابات الرئاسة مقابل موافقة الموالاة على نصاب الثلثين اللازم لانتخاب الرئيس وعلى اسم الرئيس الجديد ـ لكن الصحيح أيضاً أن المخرج المطروح فرمل عملية التقاذف بالاتهامات، ولجم خطاب التصعيد الذي كاد أن ينفلت من عقاله، في الآونة الأخيرة.

وكأن الجميع رأى في هذا التطور فرصة ملائمة لتغيير اللهجة وجس النبض للعثور على ما يحفظ ماء الوجه ويكبح الاندفاع نحو المأزق، الذي لن يسلم أي طرف من تداعياته السلبية ومخاطره. وهي فعلاً فرصة. على الأقل لأنها فتحت الباب، ولو مواربة.

فذلك أفضل، لا شك، من بقائه مغلقاً. لاسيما وأن التعامل معها، جاء بصورة لا تعكس عمق الشكوك والارتياب بين أطراف الأزمة. وبهذا المعيار فإن على الطاولة الآن ما يسمح بالاستبشار خيراً؛ لو توفرت الاستعدادات للتوصل إلى صيغة مشتركة؛ انطلاقاً من المبادرة.

المأمول أن لا يمضي أكثر من أيام قليلة قبل أن يتبلور ما يعزز التواصل الذي يكفل استمرار هذا الحراك، الذي أفرزته المبادرة. تعويمه ضرورة بهدف تحويله إلى خشبة خلاص. العد العكسي الرئاسي بدأ. وحده خيار الحوار يؤدي إلى إنقاذ الاستحقاق مع ما يتطلبه من مرونة واعتدال وابتعاد عن التعجيز؛ ناهيك بالتفخيخ.