غريب إصرار الوضع الفلسطيني على مواصلة التأزيم والاشتباك مع نفسه، فبالرغم من ثبوت عبثية صراعاته وخسائرها الصافية على كل أطرافها؛ إلا أن التمادي في هذا النهج، لا يزال سيد الساحة، بل يبدو أن هناك إصراراً بألا يبقى في المشهد الفلسطيني أي شيء فوق الخلاف أو خارجه، وكأن هذا الأخير هو القاعدة، أو القدر. كل الأمور يجب أن تنضوي تحت مظلته؛ بدون استثناء.

آخر «الإنجازات» في هذا الخصوص كانت في إقحام صلاة الجمعة ـ أول أمس ـ في الخلافات والمناكفات. فريق يرى في أدائها في الساحات العامة ثم الانطلاق بعدها في تظاهرات احتجاج سلمي ضد الفريق الآخر؛ حقاً من حقوقه غير المجادل فيها.

الآخر يرى أنه لا يجوز أداؤها خارج المساجد «إلا في الأعياد» كما لا يجوز استغلالها لما يسيء لقدسيتها. بالنتيجة تحصل المواجهة وتقع إصابات تشتعل على إثرها حرب التراشق بالاتهامات ـ كالعادة ـ وتحميل المسؤولية. وما يزيد من انكشاف لا معقولية هذا الانحدار انه في الوقت الذي كانت فيه ساحات غزة تشهد المطاردات الفلسطينية ـ الفلسطينية كانت قوات الاحتلال تمنع المصلين من أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، فضلاً عن المنع الذي تمارسه لمنع ترميم هذا الأخير.

ويصبح المشهد مفجعاً أكثر عندما نقلت الوكالات صور الكر والفر في القطاع إلى جانب صور القمع التي يمارسها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين الذين يتصدون ويعترضون على بناء الجدار الفاصل.

مفارقة قاسية؛ يزيد من قساوتها أن إسرائيل صارت تشعر بأن الخلافات والصراعات الفلسطينية ـ الفلسطينية وما بلغته من عمق، قد أطلقت يديها بالكامل؛ إلى حد أن آلتها العسكرية لم تعد ترى غضاضة في توجيه نيرانها إلى الأولاد والأطفال الفلسطينيين؛ الذين حصدت منهم ثلاثة، قبل يومين؛ بزعم الارتياب في حركتهم!

الصراع السياسي في كل ساحة مفهوم ومشروع. الذي ليس مفهوماً ـ وبالتأكيد ليس مشروعاً ولا مقبولاً ـ أن يصل في وضع كالوضع الفلسطيني، إلى حد استنزاف الذات. بل الاستمرار في النزف ورفض الاستدراك والتراجع. أو على الأقل أخذ فسحة للمراجعة. تجربة الأشهر الماضية، كانت مؤذية وخانقة، لكل أطراف الساحة. جردة بسيطة تكشف مدى الخسائر، على كل صعيد. ناهيك بالأرباح الصافية التي حققتها إسرائيل جراء الشرخ الكبير الذي أصاب الوضع الفلسطيني. والأفظع أنه يتعمق.

المواجهات الأخيرة في غزة وما رافقها وتلاها من ردود، تشي بأن الجسور بين المتخاصمين مرشحة وبقوة للنسف. هذا إذا ما كانت قد أضحت بحكم المنسوفة. كما توحي بأن كل فريق يعمل باتجاه ترسيخ وتحصين مواقعه؛ وعلى أساس أن الواقع الانفصالي باق وحتى إشعار آخر.

فالتظاهر في غزة صار ضد المحلي وليس المحتل. كما أن الأمن في غزة صار مطلوباً ضبطه ضد الآخر الفلسطيني. بالنهاية تبقى الساحة خالية لعبث الاحتلال بكل ما هو فلسطيني من بشر وحجر وشجر. والمأساة أن الأطراف الفلسطينية جميعها تتحدث وتبدي أسفها لوقوع الوضع الفلسطيني في هذا الفخ، وفي الوقت هي تمعن في ولوجها لهذه الطريق. هل ثمة من هو محظوظ مثل إسرائيل؟