أحد أهم البنود على جدول أعمال مؤتمر وزراء الخارجية العرب القادم، إن لم يكن هو أهمها على الإطلاق، عنوانه «الأمن القومي العربي»، ومع أن جدول الأعمال حافل بخمسة وعشرين بنداً إلا أن الوصول إلى رؤية عربية مشتركة حول هذا البند وحده كفيل بالإجابة على بقية البنود الأخرى سواء منها ما يتصل بقضايا مزمنة ما تزال بغير حل أو ما يتصل بقضايا مستحدثة بفعل التشابكات الطبيعية والاشتباكات المفتعلة بين ما هو وطني وما هو قومي، أو بين ما هو إقليمي وما هو دولي في غياب رؤية استراتيجية موضوعية وموحدة للأمن القومي العربي.

فإن استمرار القضية الفلسطينية على مدى ستة عقود بغير حل عادل، وتفجير الغزو الأنجلو أميركي للوحدة الوطنية العراقية، والغزو الإثيوبي للصومال وانهيار الدولة، وتواصل الضغوط والتدخلات الدولية على السودان بهدف تقسيمه، والتهديدات والضغط بهدف ترويض سوريا.

والتدخل الأجنبي وزرع الفتن بين التيارات السياسية والطائفية لتفجير لبنان، ومحاولة تقسيم العرب بين معتدلين ومتطرفين، ومحاولات صنع أعداء آخرين للعرب غير من يحتل العراق وفلسطين، وزرع الفتنة بين العرب وجيرانهم المسلمين والأفارقة، هي كلها نتيجة اختراق للأمن القومي العربي بسبب غياب الرؤية والحركة العربية الموحدة.

والعالم العربي الآن يقف في مفترق طرق بينما المطلوب أن يتحرك ليوحد رؤاه وأهداف وإمكانياته وآلياته وقواه لمواجهة، التحديات المصيرية المطروحة عليه، والتطورات الخطيرة المحيطة به على المستويين الإقليمي والدولي، بدءاً من المبادرات المتكاملة لإيجاد الحلول الفورية والعادلة والعاجلة للعمل الجاد المشترك لحل كافة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية السياسية الوطنية لكل قطر عربي بهدف تحقيق الأمن الشامل لكل مواطن عربي وهو الأساس نفسه للأمن الوطني الشامل لكل وطن عربي صغير، والمدخل لواسع والقاعدة القوية للأمن القومي العربي.

إنها تحديات خطرة تستلزم في المرحلة الراهنة أولا صياغة الرؤية الموحدة وإعادة تثبيت الثوابت، والتعامل مع المتغيرات بتحديد الإجابات الموضوعية لا الإنشائية، والحقيقية لا الوهمية، والعربية لا الغربية، الشعبية والرسمية للأسئلة الطبيعية حول، من نحن.. ومن هو العدو..ومن هو الشقيق.. ومن هو الصديق..؟

وحول ما إذا كان يمكن للدولة الوطنية أن تواجه تحدياتها الأمنية وتحل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية وحدها من دون تكامل عربي؟

وحول ما هي مصادر التهديد والعدوان في الخارج، وما هي مصادر الخطر والشرور في الداخل؟

وحول مع من في المحيط الإقليمي الإسلامي والإفريقي والمتوسطي يلزم بناء شراكتنا؟.. ومع من في المحيط الدولي ترتبط مصالحنا لتقوم صداقتنا.

وربما يبقى أهم سؤال يتوجب الإجابة عليه ما هو مصير اتفاقياتنا العربية للتكامل الاقتصادي والدفاع المشترك؟.. وما هي منظومة الإجراءات الجماعية العربية في حالة تعرض دولة عربية واحدة للاحتلال أو للعدوان أو حتى للتهديد بالعدوان؟

وأخيرا مطلوب البحث فيما إذا كانت القاعدة التي تقول «نعادي من يعادينا ونسالم من يسالمنا» مازالت من الثوابت وسارية المفعول، أم غيرتها المتغيرات إلى خلل يقول «نعادي من يسالمنا ونسالم من يعادينا؟!».

إننا إن لم نستطع الإجابة بينما نواجه دون استثناء تحديات مشتركة، وإن لم تتأكد قناعاتنا بوحدة الهدف والمصير بينما ينفرد بنا الأعداء فرادى واحداً تلو الآخر بحيث لم يعد أحد منا بعيد في منجى من الخطر أو بعيد عن مرمى التآمر، فلن نتمكن من تحديد أهدافنا ولا من حشد طاقاتنا ولا من وضع خططنا لتأمين شعوبنا وبلوغ أهدافنا دفاعا عن هويتنا، ومصالح وقضايا أمتنا.

الأمن القومي العربي في النهاية كما عبر القادة في قمة الرياض الأخيرة يجب أن يظل شاغلنا الشاغل، وهو لا يمكن تجزئته لأنه كل متكامل لا يتجزأ، تترابط أبعاده وحلقاته ما بين أمن الخليج والبحر الأحمر والأمن المتوسطي.. تتصل دوائره من مشرق العالم العربي إلى مغربه، وتتجاوز انعكاساته الشرق الأوسط إلى أوروبا والعالم.