يحتاج الرئيس الأميركي جورج بوش إلى معجزات تنقذه مما هو آت: فهناك العديد من التقارير الأميركية حول اخفاقات السياسة الأميركية ستصدر قريباً بل بدأت ترى النور تباعاً.

ومع أن الوقائع على الأرض لا تحتاج إلى اثباتات بأن هذه السياسة فشلت فشلاً ذريعاً، إلا أن التقارير الأميركية التي يعدها خبراء ومتابعون ورجال سياسة و«عسكر» واستراتيجيون من شأنها إلقاء الضوء على ما اقترفته إدارة بوش من أخطاء واخفاقات وجرائم بحق البشرية. ‏

ولأن بوش وإدارته والمحافظين الجدد ومعهم الحزب الجمهوري يشعرون بأنهم محاصرون بالتقارير وباستطلاعات الرأي العام الأميركي وبملاحقة الكونغرس وبغضب واستياء الشعوب، لأن الأمر كذلك، فإن الفريق الحاكم في الولايات المتحدة يسعى لتحقيق أي نصر مهما كان نوعه وربما تهوره، لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل دخول العام الانتخابي الذي سيكون كارثياً على الحزب الجمهوري وفق المعطيات الحالية والتوقعات إلا إذا حدثت المعجزة في زمن ولّت فيه المعجزات. ‏

وربما يظن بوش أن بإمكانه تحقيق معجزة ما خاصة أنه يزعم أنه من خلال حروبه «الثأرية» إنما ينفذ إرادة إلهية، ليذكرنا بذلك بالديكتاتور الأوغندي عيدي أمين الذي كان يعمل في النهار على تنفيذ أحلام كان قد رآها في الليل. ‏

ربما يظن بوش إذاً أن بإمكانه تحقيق المعجزة إما عن طريق تطوير الخيار العسكري، وإما عن طريق «إنجاز» سياسي خلَّبي يسوّق إعلامياً على أنه فتح جديد في الشرق الأوسط يفضي إلى سلام زائف. ‏

من هنا يجب أن ننظر إلى الخطاب الناري الذي ألقاه بوش منذ أيام، وأيضاً من هنا يجب النظر إلى «المؤتمر» الذي دعا إليه الرئيس الأميركي لبحث آفاق السلام الموعود في الشرق الأوسط. ‏

في الخطاب المشار إليه عاد إلى تكرار الاتهامات لإيران بشكل خاص، وسورية والمقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية ـ حسب العادة ـ وبدا أنه لم يستوعب الدرس إن كان في أفغانستان أو في العراق، إذ لا يزال يراهن على القوة وسياسة الإملاءات ومقولات تحمل كل معاني العنصرية كالقول: من لم يكن معنا فهو عدونا أو ضدنا، بمعنى آخر إن كل من يخالف السياسات الأميركية المعادية للشعوب، ينتقل تلقائياً إلى خانة الأعداء، ومن ثم في دائرة الاستهداف الأميركي من العقوبات إلى العمل العسكري. ‏

هل يعتقد بوش ومن يرسم استراتيجيات السياسة الأميركية، أن الحل للأزمات التي أوقعت الإدارة الأميركية نفسها فيها يكمن في المضي بسياسات بائدة وتغييب الحوار والتلويح بالقوة العسكرية واستخدامها؟. ‏

وهل يكمن الحل بإدارة الظهر للتقارير الأميركية التي تكشف بعض جوانب من اخفاقات هذه الإدارة وما جرّته من ويلات وكوارث على شعوب الأرض بما فيها الشعب الأميركي نفسه الذي تظهر استطلاعات الرأي العام استياءه الشديد من السياسات الأميركية التي جلبت له الخزي والعار والكراهية وحقد الشعوب؟ ‏

لكن الأسوأ ليس في عنتريات بوش وإطلاقه التهديدات واستمراره في شن الحروب العدوانية التي أعادت عقارب الساعة إلى الوراء عندما كان الاستعمار الغربي يحتل الدول وينهب ثرواتها وينكل بشعوبها، الأسوأ أن الإدارة الأميركية وهي تشن هذه الحروب وتذبح الشعوب تريد من القتيل شهادة براءة وحسن سلوك تقدمها للأميركيين كي يصوتوا لمصلحة الحزب الجمهوري في نهاية العام 2008 في الانتخابات الرئاسية. ‏

هكذا يمكن فهم دعوة بوش إلى الاجتماع الذي عنونه بعبارة «من أجل السلام في الشرق الأوسط» فهذا الاجتماع ليس إلا لقاء مجاملات وعلاقات عامة وتطبيع، ومن ثم فهو بمنزلة طوق نجاة لإدارة نبذها الأميركيون ولا ندري إن كان بعض الأشقاء العرب سيسهمون في إنقاذها ومنحها صك البراءة عما اقترفته من مجازر بشكل مباشر كالحال في العراق، أم بشكل غير مباشر كالعدوان الإسرائيلي على لبنان الصيف الماضي، أم عبر الارهاب الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل والقائمة تطول. ‏

فهل يسمح العرب لأنفسهم بمكافأة من يقتلهم ويغتال أحلامهم في الحرية والسيادة والاستقلال بإلقاء طوق النجاة له ولإدارته؟ ‏ كيف سينسى من سيصافح اليد الأميركية والإسرائيلية معاناة شعب العراق وأشلاء الأطفال والنساء في لبنان وغزة والضفة وأن هذه الأيدي هي التي تضع السكين على رقاب العرب وتضغط على الزناد على مدار الساعة لتقتل أطفالنا ونساءنا وشيوخنا؟ ‏ ولماذا نتبرع لإنقاذ هذه الإدارة في الوقت الذي لفظها فيه الأميركيون أنفسهم؟

إنها فعلاً من عجائب هذا الزمان الرديء