أخيرا خرج السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني عن صمته، واطلق مبادرة سياسية لاخراج بلاده من حال الشلل الراهن الذي تعيشه، تقوم على الاقرار باجراء انتخابات رئاسية على اساس التوافق، وبنصاب ثلثي اعضاء المجلس النيابي.
خطاب السيد بري الذي القاه بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لاختفاء الامام موسي الصدر جاء تصالحيا وفاقيا، ويتضمن رغبة صادقة لوضع حد للازمة السياسية الراهنة التي تعصف بالبلاد. فقد تنازل الرجل، نيابة عن المعارضة التي يعتبر احد اقطابها، عن شرط حكومة الوحدة الوطنية قبل الانتخابات الرئاسية، ودعا الى حوار تشاوري مع اطراف عديدة، بمن في ذلك الكرسي البطريركي، للتوصل الى اسم الرئيس الجديد.
ردود فعل الاكثرية النيابية، الطرف الاخر من المعادلة، جاء مرتبكا، ليس لانها فوجئت بالخطاب وما احتواه من حلول توافقية، ورغبة في التفاهم، وانما لانها لا تملك مبادرات مضادة ذات مصداقية حقيقية ايضا، بل تتمسك بمواقفها وبمرشحيها لرئاسة الجمهورية، وسلاح الفيتو الذي تطرحه على هذا الطرف او ذاك.
مطالبة السيد بري بالتوافق بين جميع الاطراف على مرشح لرئاسة الجمهورية يصوت عليه البرلمان باغلبية الثلثين، ربما تقلب الكثير من المعادلات، وتفتح باب المنافسة على الرئاسة على مصراعيه.
ومن المؤكد ان العماد ميشال عون مرشح المعارضة سيكون ابرز الخاسرين في السباق، لانه من الصعب ان يكون مرشح التوافق بسبب انقسام الطائفة المارونية حوله، وهو الانقسام الذي تكرس في الانتخابات النيابية الفرعية الاخيرة لاختيار بديل للنائب الراحل بيار الجميل.
وربما تكون حظوظ العماد ميشال سليمان قائد الجيش اللبناني قد تراجعت قليلا في الايام الاخيرة، خاصة بعد اقتراح الرئيس اميل لحود تشكيل حكومة انتقالية مدنية برئاسته، وهو الاقتراح الذي لقي معارضة شرسة من الموالاة وعدم ترحيب من المعارضة.
ولكن العماد سليمان يظل المرشح الانسب لتولي مسؤولية الرئاسة في هذا الظرف الصعب الذي تمر به البلاد، لما يتمتع به من نظافة وحيادية وقبول من قبل نسبة كبيرة من اللبنانيين.
لبنان بحاجة الى زعيم قوي يخرجه من محنته الحالية، ويضع حدا للانقسامات الحادة التي يعيشها، والعماد سليمان ربما يكون هو الحل الامثل شريطة ان يجد تعاونا من مختلف الاطراف.
اتهام العماد سليمان بانه من الموالين لسورية من قبل معسكر الموالاة هو وضع للعصي في دواليب مبادرات المصالحة، ومحاولة متعمدة لتكريس الوضع الراهن المزري، وربما يكون قبول سورية له مصدر قوة لا موضع ضعف وتخوين، لان معاداة سورية والعمل على اخراج قواتها بشكل مهين هما اللذان اديا الى خلق حالة عدم الاستقرار والفوضي الراهنة في البلاد.
سورية لاعب اساسي في لبنان والمنطقة باسرها، ويخطىء الكثير من الزعماء اللبنانيين اذا اعتقدوا انهم يستطيعون انقاذ البلاد من ازمتها الحالية بالاستمرار في معاداتها واذلالها وتحريض العالم الغربي، واميركا وفرنسا على وجه الخصوص ضدها.
مبادرة الرئيس بري قد تكون الفرصة الاخيرة لمعالجة الوضع المؤلم الحالي في لبنان، وتجنيبه الكثير من الشرور، ومنع انزلاقه الى الحروب الاهلية والفوضي الدموية، والمأمول ان تقبلها جماعة الموالاة، ولو كارضية جديدة للحوار وصولا الى التوافق الذي قد يمهد للحل.
