هبط مستوى الاهتمام بالقضية الفلسطينية - عالمياً وعربياً - إلى مستويات متدنية، والأسباب هذه المرة ليست خارجية، بل جاءت من الداخل الفلسطيني، ومن المؤلم أن إسرائيل لم تعد تحتاج إلى دعايات ضدهم، بتوافر الحرب بين حماس وفتح، التي قسمت الشعب الفلسطيني إلى ذراعين متلاكمين، حتى وصلت الدعايات بينهما إلى رسوم الكاريكاتير التي ميدانها الطفل للتلاعب بمشاعره، وتربيته على النزعة العدوانية تجاه شعبه وقضيته.
في هذه الأجواء تأتي جهود الدول الثلاث: المملكة، ومصر، والأردن التي لا تزال لديها فسحة من الأمل أن تتحرك فيما بينها على مستوى الزعامات، إذ سيلتقي الملك عبدالله بن الحسين ملك الأردن، بخادم الحرمين الملك عبدالله، وقبل أن يتوجه الملك الأردني إلى باريس، يلحق بهذا المشوار زيارة السيد بلير المنطقة واجتماعه بالملك عبدالله بن عبدالعزيز..
التحرك الدولي لم يأت اعتباطاً، ولعل فرنسا التي تحاول أن تكون أكثر جدية في مساعيها تعلم أن هذه القضية، هي البطن الحاضن لكل إشكالات المنطقة وتمددها إسلامياً وعالمياً، وأن تقييد مشكلاتها ضمن الحلول المتراخية أو المؤقتة، التي تصل إلى حد التجاهل المتعمد، خرجت إلى العلن لمعالجة بقية الأمراض المنتشرة في العراق، ولبنان، والصومال وغيرها..
أميركا لا تزال تملك الثقل المهم، لكنها لا تستطيع تخطي الإرادة الإسرائيلية، وهذه العقدة المتحكمة بالرؤساء الذين يصلون إلى البيت الأبيض، وكذلك أعضاء الكونجرس، جعلت الرئيس بوش يبحث - من خلال الرئيس ساكوزي، والسيد بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق - إمكانات الحل؛ لأنه في تاريخ رئاسته لم يسجل انتصاراً داخلياً يشفع له عند الشعب الأميركي، ولا عملاً مدوياً يصفق له الرأي العام العالمي، وتبقى المنطقة محور فشله سواء بغزوه العراق، أو تراخيه تجاه إسرائيل، ففرصته الوحيدة، أن يرمي بثقله خلف القضية الفلسطينية التي هي مفتاح الأبواب الموصدة أمامه..
هنا يأتي التحرك العربي ضرورة أساسية؛ لأن أوروبا وأميركا لا تستطيعان إيجاد ثغرة في الجدار العازل، إلا بالتحاور مع الطرف المهتم والعاقل في احتواء القضايا الساخنة، وبذلك إذا كان من سبب يربط حبال الود بين كل الأطراف بمن فيها الفلسطينيون، فإنه لا غنى عن المشروع العربي، ولابد من ثقل المملكة ومصر والأردن، أن يأتي ليس مساعداً، وإنما فاعلاً في قلب الحدث وإخراجه من أزماته..
من الصعب التنبؤ بالنتائج، لكن يوجد بعض الضوء في النفق المظلم وخصوصاً حين جاءت فرنسا لتكمل العقد الأوروبي في التمازج بين الرأي والمواقف الأميركية، ولكن هذه المرة، تريد أن تحصل على رأي محدد، ربما يقفز بها إلى العضو الفعال، وغير المتلاحق مع أمريكا مثلما تفعل بريطانيا، مباركة أي اتجاه في سياستها..
الأسابيع المقبلة قد تغير المعادلات، أو تثبت أن اللعبة لازالت قائمة، وأن حالات الإخفاق ستضيف عدم الثقة بالوسطاء وأصحاب القرارات..
