قد يفقد الرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي قبضته في النهاية على بلاده التي تعاني تحت قيادته. فالتدهور السريع الذي يعاني منه ما تبقى من اقتصاد هذا البلد الأفريقي لا يسمح له بالدفع لهؤلاء الذين يعتمد عليهم بقاؤه في منصبه. ففي الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار بمعدلات جنونية وتهرب فيه أعداد كبيرة من الشعب من الجحيم الذي تغرق فيه البلاد، فإن الدائرة الداخلية للحزب الرئاسي قد لا تجد في النهاية حلا لما يحدث في البلاد سوى الإطاحة بالرئيس.
من غير المحتمل أن يرحل الرئيس الذي يبلغ الآن من السن 83 عاما، حيث تولى حكم البلاد في عام 1983 ـ من غير المحتمل أن يرحل بشرف. فقد تعهد بالسعي إلى الحصول على فترة رئاسية ثانية في الانتخابات القادمة المقرر لها مارس المقبل. وأثناء فترة حكمه تحول التضخم الذي كانت تعاني منه البلاد في الأصل إلى تضخم مزمن. وعملت حكومته على جمع الضرائب من أجل تقوية مركز البطانة الحاكمة الموالية له حتى يتمكن من تكريس حكمه للبلاد.
وفي الوقت الذي تشير فيه التقديرات الرسمية إلى أن التضخم الحالي للبلاد يبلغ نحو 5. 4% إلا أن الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بالتأكيد بكثير. فقد حذر مدير القسم الأفريقي في صندوق النقد الدولي في يوليو الماضي من أن الرقم الحقيقي قد يصل إلى 100% بنهاية العام الجاري. فأسعار البضائع الاستهلاكية تتغير مرات عديدة في اليوم الواحد. وتحولت سلع اللحم والبيض والخبز وزيت الطعام إلى منتجات يندر العثور عليها في السوق هناك.
وفي السوق الرسمي يعادل الدولار الأميركي 250 دولارا زيمبابويا غير أن قيمته في السوق السوداء تصل غالبا إلى أعلى من ذلك بنحو 1000 مرة تقريبا. في 25 يونيو الماضي أمر الرئيس موجابي بحملة لتقليص الأسعار إلى النصف تقريبا. وأشارت التقارير إلى أن التجار الذين رفضوا بيع مخزونهم من البضائع بهذه الخسارة قد اعتقلوا بمن فيهم عشرات من مديري الشركات الكبيرة. والباقون ببساطة أغلقوا محالهم ومتاجرهم في حين لجأ معظم أفراد الشعب إلى نظام المقايضة من أجل الحصول على لقمة العيش.
وعدد كبير من الشعب لجأ أيضا إلى السفر بالسيارة إلى جنوب أفريقيا من أجل شراء احتياجاتهم. وتشير بعض التقديرات إلى أن نحو ثلاثة ملايين زيمبابوي قد عبروا الحدود إلى جنوب أفريقيا وظلوا هناك كلاجئين. ويشتكي المواطنون الجنوب أفريقيون الذين يعيشون على الحدود من أن الفيضان البشري القادم من زيمبابوي قد زاد بشكل هائل خلال الأسابيع الماضية. وقد تسبب انخفاض متوسط عمر الفرد في زيمبابوي بالإضافة إلى سوء الأحوال المعيشية في انخفاض سكان زيمبابوي بأكثر من الثلث منذ آخر تعداد للسكان في عام 2000.
وقد تسبب نقص الوقود في تحديد الحركة المرورية وانخفاض في نشاط حركة المواصلات العامة. فالبعض يذهب إلى عمله مشيا على الأقدام توفيرا للنفقات وآخرون توقفوا تماما عن الذهاب إلى العمل. والقادرون من الشعب يشترون فاصوليا مكتوب عليها بكل فخار: «صُنع في زامبيا»؛ والمفارقة في هذا الشأن تتمثل في أنه منذ عشرة أعوام فقط كانت زيمبابوي هي الدولة التي تُطعم زامبيا الأمر الذي يبين مدى التدهور الذي مر به المجتمع الزيمبابوي في السنوات الأخيرة.
في فترة من الفترات كانت تجرى الإشادة بموجابي في الخارج والداخل على حد السواء بسبب خطط التحديث التي كان يقوم بها. ففي عام 1980 ساهم موجابي في إسقاط حكم أيان سميث القمعي. وبعد أن تحولت روديسيا إلى زيمبابوي عمل موجابي على إحكام سيطرة السود على اقتصاد البلاد. ولكن بنهاية التسعينات تبين أن فشله في علاج البطالة وفي إخراج ملايين من الزيمبابويين السود من دائرة الفقر قد تسبب في تهديد بقائه السياسي. ومن أجل استعادة الدعم الشعبي أمر موجابي باستيلاء الدولة على جزء كبير من الأراضي المملوكة للبيض.
وتسببت تلك الخطوة في كارثة. فقد هرب المزارعون الذين كانوا يزرعون تلك الأراضي لسنوات طويلة ونقلوا ملكيتها إلى أناس استولوا عليها بالقوة وليست لديهم أي فكرة عن كيفية إداراتها. ونتيجة لذلك تراجع الاقتصاد الزيمبابوي الذي كان أحد أفضل الاقتصادات في أفريقيا ـ تراجع بنسبة 30%. فقد تسبب الاستيلاء القسري على حقوق ملكية الآخرين لأسباب سياسية في هروب المستثمرين إلى خارج البلاد بالعشرات وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية وانخفض سوق الأسهم والبورصة وأصبح الاقتصاد حاليا في حالة يُرثى لها.
لقد نجا موجابي من أزمات سابقة كثيرة. لكن الأمر يبدو مختلفا هذه المرة. فتزايد عدد اللاجئين الزيمبابويين في جنوب أفريقيا قد تجعل الرئيس الجنوب أفريقي تابو مبيكي يغير أسلوبه اللين في التعامل مع رفيقه في محاربة العنصرية ويحرمه من أكبر غطاء سياسي له.
وفي المقابل يتبين أن القادة الغربيين الذين لا يشعرون بأي تعاطف مع موجابي آخذون في رفع وتيرة الضغط عليه. فرئيس الوزراء البريطاني جوردون براون يعمل حاليا على الضغط على الزعماء الأفارقة كي يتوقفوا عن دعمهم لموجابي محذرا من أنه لن يحضر القمة الأفرو ـ أوروبية المقبلة في حال عزمت البرتغال وهي الدولة التي ستستضيف القمة على دعوة الدكتاتور الزيمبابوي.
غير أنه في حال حدوث فوضى في زيمبابوي نتيجة تعرض النظام السياسي في هناك لأي خطر، فإن الوضع في النصف الجنوبي من القارة الأفريقية سيكون معرضا لمخاطر كبيرة. ففي حال رحيل موجابي، فإنه من المحتمل أن يمسك قادة الصفوة في حزبه بمقاليد الأمور. وثمة حالة من التردد تسود بين رجال الحزب بسبب أنه حتى الآن لا يوجد بديل قوي من بينهم لخلافة موجابي. لكنهم قد يقررون قريبا أن أي بديل سيكون أكثر مقدرة من موجابي على إخراج زيمبابوي من أزمتها الطاحنة.
خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص لـ«البيان»