قبل كل شيء لماذا اعتبر وصول نيكولاي ساركوزي إلى قصر الاليزيه ظاهرة؟ يشاطرني هذا الرأي عديد المراقبين السياسيين. لأن الرجل خارج عن المألوف والمعروف بكل المقاييس. فهو الطموح منذ الطفولة ولم يخف عن الناس جريه وراء الرئاسة، وهو أيضاً المحارب بلا كلل ولا خوف في ساحة المناورات والمؤامرات والمزايدات التي في العادة تعطل سباق الطموحين نحو القمة.
لم تنل منه الشائعات التي مست حتى حياته العائلية بل كشف وحده عن أزمته مع الزوجة ( سيسيليا )غريبة الأطوار هي أيضاً أمام كاميرات التلفزيون. ولكن أساسا لأن نيكولاي ساركوزي هو ابن مهاجر مجري حل بباريس عام 1948 لا يختلف عن أي من أبناء المهاجرين العرب الذين ولدوا في فرنسا وتعلموا لغتها وتميزوا في مجتمعها وارتقوا إلى أعلى المراتب فيها. ومن هذه الزاوية فهو أقرب رؤساء فرنسا إلى العرب والمهاجرين عموماً لأنه واحد منا... وإلينا. أليس هو أول رئيس للجمهورية الفرنسية يتجرأ على تعيين فتاة عربية مسلمة من عائلة مغربية فقيرة وزيرة للعدل!
ثم ثانياً لماذا أربط بين العرب وظاهرة الرئيس الفرنسي الجديد نيكولاي ساركوزي؟ الجواب هو أن ساركوزي أسس منذ أربعة أعوام رؤيته الخاصة في المجال الدبلوماسي وفضاء العلاقات الدولية على مبدأ الجسور التاريخية والأقدار الجغرافية بين فرنسا والعالم العربي.
والدليل على ما أقول هو أن نيكولاي ساركوزي عندما كان يتحمل مسؤولية وزارة الداخلية كتب كتابا أثار جدلا واسعا هنا في فرنسا وفي أوروبا بعنوان: (الجمهورية والأديان والأمل) ضمنه أفكارا ثورية تتلخص في ضرورة إعادة النظر في قانون العلمانية المعروف بعام الاقتراع عليه في البرلمان الفرنسي (1905).
ودعا الوزير آنذاك إلى فتح باب تمويل الدولة لبناء المساجد وتأطير عملية تكوين الأئمة والوعاظ رسميا على أيد فرنسية مسلمة معتدلة تضمن النأي بهذه الشريحة عن التطرف والغلو ومناقضة روح المؤسسات الدستورية الفرنسية، كما أعلن الوزير عن نيته في سن قانون جديد يمكن المهاجرين من الاقتراع في الانتخابات المحلية والبلدية، ومعروف أن أغلبية المهاجرين العاملين هنا هم من العرب المسلمين.
كما أن الرئيس ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية هو الذي أنشأ المجلس الفرنسي للجالية المسلمة وهو المجلس الذي لم يكن له مع الأسف عمل يذكر بالنظر إلى الخلافات العربية التي شلت حركته وهي خلافات لا تخرج عن الروح الانقسامية التي يتميز بها العرب في أوطانهم بسبب غياب المؤسسات وطغيان الأمزجة في كل مستويات الحياة العربية إلا من رحم ربك وهم قليل واستثناء.
أما على صعيد الحملة الانتخابية فقد كان خطاب ساركوزي المرشح للرئاسة مزيجا ذكيا بين محاولة إرضاء اليمين الفرنسي المتعصب والمعادي تقليديا للعرب وبين محاولة إغراء الجالية العربية ودعوتها للاقتراع لفائدته على حساب المرشحة الاشتراكية التي ارتكبت سلسلة من الهفوات القاتلة في المنطق السياسي. فساركوزي عالج ملف الانحراف الشبابي من باب تحميل العائلات العربية المهاجرة النصيب الأكبر من الإخلال بالأمن ولم يتردد في استعمال عبارات نابية قاسية لنعت المنحرفين بالأوباش والتهديد بتطهير البلاد منهم بجهاز ضخ الماء المعروف بالكارشير.
ومن جهة أخرى عالج الملف التركي ومشروع انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي من زاوية يمينية منغلقة بالإعلان بأن تركيا لا تنتمي إلى القارة الأوروبية، وبالطبع فهم الجميع بأن قصد الرئيس ساركوزي هو أن تركيا مجتمع مسلم وبأن أوروبا ذات تراث مسيحي وهي بذلك ناد للدين المسيحي وتقاليده وثقافته. ولا يمكن أن يمنح عضوية كاملة لبلاد مسلمة.
أما الظاهرة اللافتة في سياسة ساركوزي العربية فهي بلا شك القطيعة التي أعلنها مع ما كان يعرف بالسياسة العربية الفرنسية القائمة منذ نشأة الجمهورية الخامسة على يدي الجنرال ديجول عام 1958. لكن العرب يخطأون إذا ما تعاطوا مع الرئيس ساركوزي باعتباره خصما لقضيتهم الأولى فهو بطبيعة ثقافته الحقوقية وجذوره المهاجرة مؤهل لإدراك حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي إذا ما عرفنا بذكاء كيف نقنعه بعدالة واعتدال مواقفنا، فهو رجل حوار ولم تمنع أصول والدته اليهودية من سالونيكا من أن يختار عربية لعضوية حكومته واختيار فتاة افريقية لوزارة حقوق الإنسان.
فالعرب مدعوون إلى التشاور والتناصح حول أقوم المسالك لغزو قلب وعواطف نيكولاي ساركوزي لأن للرجل بالفعل قلبا وعواطف، لكن لفرنسا أيضا موقفا ومصالح. وأجمل ما قالت الكاتبة ياسمينة رضا التي رافقت ساركوزي لمدة سنة كاملة باليوم واللحظة في كتابها الجديد عنه والذي سيصدر هذه الأيام هو هذه الجملة: «نعم انه ممثل لأنه قال لي بالحرف بأنه يصنع شخصيته يوميا ولا يخضع للواقع، فهو كأنما يبحث عن نفسه باستمرار ويجيد الإغراء كالممثل تماما يتهيأ قبل كل اجتماع شعبي أمام المرايا ويزين وجهه وشكله بالمساحيق ليمثل دوره على مسرح السياسة».