يأتي الحديث الجديد عن نعمة النفط والغاز وبوادر استكشافه في الصومال ليزيد من حدة التناقضات والصراعات الداخلية والصراعات الخارجية المصدر على الصومال، فقد أكدت معلومات موثوقة نقلتها بعض المصادر وجود دلائل ومؤشرات تبشر بنعمة هائلة مختزنة في الأرض الصومالية تنتظر الاستثمار المباشر بكميات تجارية، لو قيّض لها أن تدخل في حسابات السلم والتنمية لأمكنت الصومال من تجاوز بعض من المآسي التي جرتها عليه ويلات الحرب الأهلية الداخلية المستمرة منذ عقد ونيف من الزمن.

هذا إذا ما تذكرنا نعمة الموارد المخفية التي قيل عنها بأنها موجودة بوفرة في مناطق من الصومال خصوصاً العناصر الثقيلة النادرة الوجود كاليورانيوم 236. وفي واقع الحال، فإن الصراع المتواصل على أرض الصومال مازال يترنح صعوداً وهبوطاً بين هدوء نسبي واشتعال لاحق، دون خطوات جدية لوقفه أو كبحه، فبات البلد عملياً مقسماً وفق ثلاث مناطق يقع كل منها في إطار تفرد مجموعة قبلية أو أشبه بالقبلية بعيداً عن الشرعية المختزلة هشة وضعيفة، والتي أصبحت بدورها مثار تشكيك دولي وإفريقي بل وعربي.

وعليه، يخطئ من يعتقد بأن دخول القوات الإفريقية المتعددة إلى الصومال، وهي القوات المشكلة أساساً من جيشي إثيوبيا وأوغندا، كان سينهي الحرب الأهلية الدائرة منذ عقد ونيف من الزمن. فقد وصلت عمليات التطاحن الداخلي إلى درجة أصبح فيها أي تدخل محدود لقوات أجنبية فاقداً للفعالية، ولن يغير كثيراً من الواقع الحي على الأرض في الصومال.

فالقوات التي دخلت بتفويض وإرادة افريقية لن تستطع وحدها أن تفرض الحل على الصوماليين، دون إرادة سياسية من قبل القوى الرئيسية المتصارعة ومن قبل أبناء الصومال ذاتهم، إرادة تنحو تجاه اقتلاع الحرب المدمرة من جذورها، وتفتح الطريق نحو إعادة وحدة البلاد بعد سنوات من التمزق والانهيار المتسلسل.

إن الجرح المتقيح في الصومال لم يكن معزولاً عن مجمل التطورات والتداعيات الهائلة التي مست منطقة القرن الإفريقي منذ حرب أوغادين الشهيرة عام 1980 شرقي الصومال على الحدود الإثيوبية وسقوط نظام الجنرال محمد زياد بري، كما لم يكن معزولاً عن التدخلات الأميركية التي كانت ترى في منطقة القرن الإفريقي «منطقة ذات بعد حيوي للقوات الأميركية العاملة ما وراء البحار خصوصاً للقوات العاملة قواعد ديغوغارسيا المقابلة للشواطئ الصومالية» وأرضاً واعدة بالنسبة لبعض الخامات النادرة التي تحتوي على عنصر اليورانيوم 238.

وعليه فالصراع في الصومال كان في بداياته صراع مصالح، تحول بالتدريج ليتحد مع الصراع القبلي العشائري التفتيتي في بلد كان ومازال يعاني من التخلف وانتشار الأمية وانعدام البني التحتية رغم عقود من استقلاله، مضافاً إليه كوارث الجفاف الطبيعيةومهما يكن، أن الوضع الحالي في الصومال يحتاج لجهود دولية جبارة، ومحايدة بالطبع، بعيداً عن صراع الاستحواذ.

فالقوة الإفريقية التي دخلت إلى الصومال وانسحب جزء كبير منها، لن تكون قادرة على تنفيس الأجواء الداخلية والحد من العنف المتبادل، بل تحتاج أيضاً لإرادة دولية تعمل على دفع الصوماليين للجلوس على طاولة واحدة وإعادة توحيد البلاد، وقبل كل شيء حل الميليشيات، وجمع سلاحها، ووضعه تحت حكومة شرعية تنبثق عبر الإجماع الوطني، كناتج للعملية الحوارية المرجوة.

ان تزاحم الأحداث في الصومال وتداخل القوى الإقليمية عقد وسيزيد الوضع تعقيداً في ظل نمو ظاهرة الميليشيات المصحوبة بنمو قوى التطرف من جانب، وغضب الطبيعة والبيئة حيث انتشار الأوبئة التي تفتك بالبشر على أرض الصومال من جانب آخر.

وفي هذا المجال فإن دور الجامعة العربية لم يرتق إلى المستوى المطلوب، فالصومال دولة كاملة العضوية في الجامعة العربية، الأمر الذي يرتب مستوجبات تدعو الجامعة العربية للتدخل الفاعل من أجل وضع حد لمشاهد الدمار والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد بدلاً من التحرك الخجول غير الفاعل المتطابق نسبياً مع الموقف الراهن للمنظومة الدولية الممثلة بالأمم المتحدة. فجهود الأخيرة مازالت متواضعة أيضاً في ظل الإرادة الأميركية التي لا ترى من ضرورات سريعة لإنقاذ الوضع المتفجر في الصومال.

من هنا، وحتى يتحول الحل الإفريقي إلى حل حقيقي يفتح الطريق نحو إعادة توحيد الصومال، فإن على الصوماليين بقواهم المختلفة وأحزابهم التي باتت تتقاسم أجزاء البلد وتفرض قوانينها الخاصة وسطوتها المسلحة، بات عليها الجلوس على طاولة الحوار لتوحيد البلاد، وإلغاء الميليشيات من ميليشيا المحاكم الإسلامية المندحرة نحو بعض البقع الجغرافية إلى الميليشيات القبلية الموالية لهذا الزعيم أو ذاك، لهذا المختار أو ذاك.

كاتب فلسطيني ـ دمشق