تشهد إسرائيل هذه الأيام مساعي حثيثة لإعادة تأهيل وهيكلة بنيتها العسكرية، وتعزيز وتحديث ترسانتها التسلحية، ومراجعة عقيدتها الإستراتيجية العسكرية، ويمكن القول إن كل جهود الدولة الإسرائيلية، في هذه المرحلة، تنصب في هذا الاتجاه، من رئيس الحكومة إلى وزير الدفاع، إلى هيئة الأركان.

أيضا يمكن القول إن كل قطاعات الدولة الإسرائيلية منخرطة في تهيئة المعطيات المادية والمعنوية للسير في هذا الاتجاه، فالحكومة من جهتها خصصت حصة كبيرة من موازنتها لنفقات الجيش والأمن، وفي المجال الخارجي جرى حث الإدارة الأميركية على رفع قيمة المساعدات المالية ـ العسكرية، بحيث وصلت إلى 3 مليارات دولار (بدلا من 4. 2 مليار سنويا)، وتقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية بتهيئة الرأي العام، لجهة إعادة الاعتبار للجيش، وتجديد الثقة به، باعتباره من مرتكزات الكيان الإسرائيلي، وبمثابة قدس الأقداس للإسرائيليين.

هكذا فإن إسرائيل ورغم الميزات التي أضحت تتمتع بها، من الناحية الجيوبولوتيكية، مع مطلع القرن الحادي والعشرين، بنتيجة تغير المشهد الدولي والإقليمي والاختلال في موازين القوى لصالحها (إثر هيمنة الولايات المتحدة على العالم واحتلالها العراق)، واضمحلال تهديد الجبهة الشرقية لها، أصبحت في مواجهة مشكلات أو مفارقات غريبة، فهي تبدو غاية في القوة والمناعة، ولكنها مع ذلك باتت تخضع لمصادر تهديد ومخاطر متعددة، ضمنها:

1ـ إخفاق حرب إسرائيل على لبنان (صيف العام الماضي). إذ كشفت هذه الحرب عن العطب الذي بدأ يدب في جسم الجيش الإسرائيلي، وعن العقم لدى هذا الجيش الثقيل في التعامل مع حرب عصابية، وبيّنت ضعف قدرة سلاحي الطيران والصواريخ على تحقيق إنجازات على الأرض في مثل هذه الحرب.

2ـ شيوع حال الاضطراب والفوضى في الشرق الأوسط، من العراق إلى لبنان وفلسطين، على خلفية تنامي الجماعات اللادولتية المسلحة، المعطوفة على حركات الإسلام السياسي، وضمن ذلك ازدياد نفوذ الجماعات الإرهابية المتطرفة في هذه المنطقة؛ ضمن التداعيات الناجمة عن الاحتلال الأميركي للعراق.

3ـ تآكل أسطورة الردع الإسرائيلية، في المنطقة، إزاء الفلسطينيين، وإزاء سوريا، وقوات حزب الله في لبنان.

4 ـ بروز حركة حماس في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لاسيما بعد سيطرتها الأحادية على قطاع غزة، وازدياد ميل الفلسطينيين داخل هذه الأراضي لانتهاج خط المقاومة المسلحة، وضمنها العمليات التفجيرية أو الاستشهادية.

5ـ تزايد المخاطر الناجمة عن صعود نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في العراق، وفي عموم الشرق الأوسط، مع تزايد قدرتها على امتلاك تقنية إنتاج السلاح النووي، ما يشكل خطرا على إسرائيل، وعلى صورتها الردعية.

6ـ تراجع قدرة الولايات المتحدة، وهي حليف إسرائيل وضامن أمنها وتفوقها النوعي، على ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، أو السيطرة على تطورات الأوضاع فيه، مع تزايد احتمالات انسحابها من العراق.

من ذلك يمكن الاستنتاج أن ورشة العمل التي عقدتها هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، مؤخراً في قاعدة سلاح الجو في صرفند، وشارك فيها كبار جنرالات الجيش، من مختلف القطاعات، تأتي في هذا الإطار. وكانت هذه الورشة توصلت إلى عديد من الاستنتاجات، لتأهيل الجيش، من ناحية الهيكلية والتسليح والاستراتيجية. ويمكن تلخيص ذلك بالنواحي التالية:

أولا، بالنسبة لهيكلية الجيش وتأهيله، فقد تركزت المداولات على ضرورة زيادة عديد الجيش الإسرائيلي، بدل تقليصه (كما كان مقرر سابقا)، وستتم الزيادة لصالح سلاحي المشاة والمدرعات. وكانت التوصيات الصادرة سابقا، بهذا الشأن، تطالب بتقليص عديد الجيش وخاصة بالنسبة لسلاحي المشاة والمدرعات، على أساس أن حسم الحروب المستقبلية، يتم من خلال سلاحي الجو والصواريخ (بحسب الاستنتاجات المنبثقة عن حرب احتلال العراق). كذلك فإن المداولات تركزت على ضرورة إعادة تأهيل الجيش الإسرائيلي كي يستعيد جاهزيته التي كان فقدها، باعتياده على نمط المواجهات المحدودة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثانيا، بالنسبة لتسليح الجيش، فإن السؤال المركزي الذي كان قائماً على جدول الأعمال في ورشة العمل العسكرية الإسرائيلية هو «كيف يتم استثمار القسم الأساسي من الميزانية المخصصة للجيش: في الجو أم في البر؟ في وسائل قتالية هجومية أم في التحصين المكثف؟ في الرد على الإرهاب أم على الخطر النووي الإيراني؟

وقد نتج عن المداولات ضرورة تعزيز الجيش بلواءين مدرعين، وتحديث سلاح الجو الإسرائيلي، وتحديث وتعزيز منظومة الدفاع الصاروخي (متعدد الطبقات)، أي ضد صواريخ أرض ـ أرض بعيدة المدى من طراز سكاد، ولاعتراض الصواريخ متوسطة المدى، مثل (فجر) أو الصاروخ السوري من عيار 220 مليمترا، وضد الصواريخ قصيرة المدى. (عمير رافبورات معاريف 24-8-2007).

وبحسب يديعوت أحرونوت (23/8) فإن سلاح الجو الإسرائيلي سيشتري في الأشهر القريبة القادمة صواريخ متطورة من طراز باتريوت ـ باك ـ 3 للدفاع ضد الطائرات والصواريخ بعيدة المدى من النوع الموجود لدى سوريا..كل منصة إطلاق مزودة بـ 16 صاروخا بدل 4 في الطراز الموجود اليوم قيد الاستخدام. طول الصاروخ 5 أمتار وهو يزن 320كغم. الصاروخ الجديد يمكنه أن يسقط أهداف مختلفة: طائرات، صواريخ، بل وصواريخ جوالة حتى ارتفاع 15كم.

والصاروخ مخصص لضرب «الحديد بالحديد»، للهدف، خلافا للصواريخ مع انفجار قريب ـ مثل الحيتس الإسرائيلي. وسيطور سلاح الجو وسائل الإطلاق القائمة للباتريوت وكذا أجهزة الرادار وغيرها من الأجهزة. أيضاً، وبحسب بعض التسريبات فإن الجيش الإسرائيلي وضع خطة تسلح خمسية جديدة للأعوام 2008-2013، تتضمن شراء وسائل قتالية ومعدات تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، تشمل طائرات وبوارج حربية وأعتدة خاصة. ويأتي ضمن ذلك تزويد سلاح الجو بخمسين طائرة أميركية من نوع (إف 35) بتكلفة 3 مليارات دولار، إضافة إلى الحصول على طائرة (إف 22).

ثالثا، بالنسبة للعقيدة العسكرية الإستراتيجية، في هذا المجال يبدو أن إسرائيل تراجعت عن الإستراتيجية التي تبنتها على خلفية الدروس المستنتجة من حرب العراق (2003)، لاسيما لجهة الاعتماد على سلاحي الطيران والصواريخ، ولجهة الاعتماد على جيش صغير وذكي ومتحرك، وأن الحرب باتت تحسم من خلال استخدام النار من بعيد، خصوصاً من الجو.

أيضا وفي هذا الإطار فقد كشف غابي أشكنازي (رئيس الأركان الإسرائيلي) أنه في المعضلة القائمة بين تحسين قدرة المناورة البرية وبين تحسين قدرات تفعيل النار من بعيد، ستمنح الأفضلية للمناورة على حساب الجهد الناري، الذي تأسست عليه النظرية الجوية التي فشلت. (عمير رافبورات معاريف 24/8)، وهي إحدى الاستخلاصات المهمة لورشة العمل التي دعت إلى تدعيم سلاحي المشاة والمدرعات في الجيش (كما قدمنا).

كما ركزت توصيات الورشة في مجال العقيدة العسكرية الاستراتيجية لإسرائيل، على ضرورة إيلاء أهمية كبيرة لحماية المدنيين في الحرب القادمة، وتجنيبهم خطر الضربات الصاروخية، وضرورة العمل من أجل تقصير أمد الحرب لأقل فترة ممكنة، من خلال استخدام القوة اللازمة للحسم في هذا الاتجاه.

وكان إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، أكد على ضرورة زيادة عدد القوات البرية، وتأمين التأهيل والموازنات والمستلزمات لها، وتعزيز سلاح الصورايخ، وتحسين قدرة القوات على المناورة، وتعزيز الوضع اللوجستي طويل الأمد، وتطوير التدريب، واستمرار الاستثمار في القوة العسكرية الاستراتيجية لإسرائيل والذي يُتيح ضربا مُركزا لأهداف بعيدة عن حدود الدولة.

هكذا فقط (من وجهة نظر باراك) سيُتاح نصر واضح وقاطع لإسرائيل في كل حرب في المستقبل». (يديعوت أحرونوت 29/7/2007) السؤال الذي يطرح نفسه الآن إلى ماذا تعد إسرائيل جيشها؟ وما هي شكل الحرب الإسرائيلية القادمة ومداها؟ ثم ماذا عن الاستعدادات العربية المقابلة؟

كاتب فلسطيني